رأي

حرب إيران ـ الشفرة الخفية لرهانات الصين وروسيا!

حسن زنيند – DW:

يعيق ستار الغموض القدرة على التنبؤ بمآلات الحرب في إيران، وفك معادلة المكاسب والخسائر الاستراتيجية لقوى كالصين وروسيا. ويكمن التعقيد في تفاصيل التحولات الميدانية والسياسية التي يصعب توقعها وفق رؤى معلقين ألمان وأوروبيين.تكمن تعقيدات الحرب الدائرة حاليا في إيرانوعموم الشرق الأوسط في طبيعة نزاع لا يقتصر على مواجهة ثنائية مباشرة، بل تتشابك فيها شبكات من الفاعلين الإقليميين، ومسارات غير متكافئة للحرب مثل الضربات المحدودة وحروب الوكلاء والتصعيد المحسوب الذي تحول إلى مواجهة إقليمية واسعة بتداعيات عالمية. هذا التعقيد يجعل أي تقدير لنتائج الحرب عرضة للخطأ، لأن مسارها قد يتغير بفعل حدث مفاجئ، أو قرار سياسي في لحظة ضغط، أو تدخل غير مباشر من قوى كبرى قد تؤثر على مسار الحرب.

وتزداد صعوبة التنبؤ حين يتعلق الأمر بمعادلة المكاسب والخسائر المحتملة للقوى الدولية الفاعلة مثل الصينوروسيا. فالبعض يفترض أن انشغال الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط قد يتيح للصين وروسيا هامشا أوسع للمناورة الجيوسياسية ولما لا تسجيل نقاط استراتجية ضد الغريم الأمريكي سواء في آسيا أو أوروبا. غير أن هذا التصور ليس حتميا، فقد تفضي الحرب أيضا إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، أو اختلال في طرق التجارة العالمية، أو تصعيد عسكري غير محسوب يهدد مصالح موسكو وبكين نفسها. لذلك تبقى الفائدة الاستراتيجية المحتملة لهاتين القوتين رهينة بتطورات ميدانية وسياسية متغيرة، ما يجعل أي حكم مسبق حول الرابحين والخاسرين حكما مؤقتا سابقا لأوانه في مسرح دولي متسارع التطورات.

مخاطر الاختزال والتبسيط الجيوسياسي
في عام 2025 وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان اتفاقا وُصف حينها بالتاريخي، لإقامة شراكة استراتيجية بين البلدين. غير أن حرب اثني عشر يوما في الصيف الماضي ضد البرنامج النووي الإيراني، ثم الهجمات الإسرائيلية والأميركية الحالية، أظهرت بوضوح أن هذا الاتفاق لا يتضمن التزاما روسيا بالدفاع العسكري المباشر عن الجمهورية الإسلامية. فروسيا تواصل تزويد إيران ببعض الأسلحة، لكنها لا تقدم دعما عسكريا مباشرا. أما الصين، ورغم إدانتها للهجمات في مجلس الأمن اكتفت، في العلن على الأقل، بدور المتفرج على مجريات الحرب. لكن التحليلات زادت في الأيام القليلة الماضية حول دور روسيا والصين في هذا النزاع وتبعاته على التوازنات الاستراتجية في المنطقة والعالم. وعكس ما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى فحسابات الربح والخسارة في حرب من هذا النوع، لا تخضع لمنطق البساطة المتهاتفة كما توحي بها تحليلات منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة “تاغس آنتسايغر” النمساوية الناطقة بالألمانية (الخامس من مارس / آذار 2026) متسائلة “هل النظام العالمي الجديد هو نظام تُوجه فيه الدول الكبرى قوتها أساسا وفق اعتبارات جغرافية؟ (..) إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتبره البعض قبل انتخابه انعزاليا، يتدخل على مستوى عالمي أكثر من معظم أسلافه، ليس عسكريا فحسب، بل وإنما أيضا بفرض إملاءات السلام (..) ورغم أن تايوان تقع قبالة السواحل الصينية، فإن استقلالها يعتبر جزءا من “الأمن القومي” الأمريكي، بسبب صناعة أشباه الموصلات فيها وبسبب طرق الملاحة البحرية. ولهذا السبب أيضا يبقي ترامب على تحالفاته العسكرية مع اليابان وكوريا الجنوبية. أما الرئيس شي جينبينغ، فيرسم نفوذ الصين في العالم أساسا عبر التجارة والاستثمارات. ففي أميركا اللاتينية، التي توصَف عادة بـ”الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، أصبحت الصين اليوم الشريك الاقتصادي الأول لمعظم الدول هناك، بينما كانت الولايات المتحدة تحتل هذا الموقع إلى حدود عام 2000 (..) وتزعم الاستراتيجية الأمنية الجديدة لترامب أن العمل ضمن مناطق نفوذ، سيقود إلى “استقرار استراتيجي” مع روسيا والصين. غير أن الواقع ربما يقودنا إلى عالم أكثر فوضوية وتعددية في الأقطاب، وأكثر هجينية وتعقيدا، مما تتخيله القوى العظمى”.

موسكو والرقص على رؤوس الأفاعي
تكتفي روسيا تقليديا بإبداء دعم سياسي للجمهورية الإسلامية، وهي حريصة على عدم الإضرار بعلاقات موسكو مع جميع شركائها في الشرق الأوسط. فهي مرتبطة أيضا بمصالح مع دول كالسعودية والإمارات. الاقتصاد الروسي يستفيد أيضا من بعض تداعيات الحرب كارتفاع أسعار النفط والغاز لأن ذلك يزيد من عائداتها ويدعم تمويل حربها في أوكرانيا. إضافة إلى ذلك، تمتلك موسكو سببا عمليا لعدم التدخل عسكريا إلى جانب إيران، وهو أن قواتها وقدراتها الصناعية العسكرية منشغلة إلى حد كبير بحربها ضد أوكرانيا. ويُذكر أن طهران كانت قد ساعدت موسكو في بداية الحرب الأوكرانية، خاصة عبر تزويدها بطائرات مسيّرة انتحارية. ويرى مراقبون أن روسيا تواصل إرسال بعض الأسلحة إلى إيران، لكنها لا تحدث فرقا حقيقيا في ميزان القوى في الحرب الحالية. نظريا يمكن تصور أن الانشغال بالشرق الأوسط قد يحول الأنظار عن أوكرانيا ولو إلى حين.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة “تاتس” اليسارية الألمانية (الخامس من مارس) أنه “على المدى القصير، ستكون العواقب بالنسبة لنا إيجابية ومفرحة. فبسبب هذا الصراع سترتفع أسعار النفط”، على حد قول أناتولي فاسرمان، النائب في مجلس الدوما الروسي، الذي أضاف وأضف أن صادرات روسيا من النفط ستعود بمبالغ كبيرة، غير أن العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي وضعت سقفا لسعر بيع النفط الروسي، حيث تم تحديد عند 47 دولارا للبرميل، رغم أن سعر النفط العالمي ارتفع حاليًا إلى نحو 81 دولارا (..) وفي الوقت نفسه، حذر فاسرمان، مثل عدد من الخبراء الروس الآخرين، من احتمال تراجع الدور الجيوسياسي لروسيا. فموسكو قد تفقد شركاء مهمين مثل سوريا، وكذلك فنزويلا بعد اعتقال واشنطن للديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، وربما إيران أيضا إذا سقط نظامها. وأضاف النائب الروسي أنه يتعين على القوى الكبرى المنضوية في مجموعة بريكس أن تُظهر قدرتها الحقيقية على ممارسة النفوذ وإثبات قوتها”.

عين الصين بصيرة ويدها قصيرة!
أما الصين، فلم تتدخل عسكريا في الصراع حتى الآن. رد فعل بكين العلني على الأقل، كان محتشما، فرغم الانتقادات الدبلوماسية الحادة للولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنها لم تقدم أي دعم عسكري مباشر لحليفها الإيراني، الذي لا يشكل فقط جبهة تصدي لنفوذ الغرب في الشرق الأوسط، ولكن أيضا مصدرا لنفط منخفض الثمن. الصين تمتلك أيضا مصالح اقتصادية واسعة معدول الخليج، ما يدفعها إلى تجنب الانحياز الواضح والمتشدد لأي طرف في الصراع. كما أنها لاتملك قدرات عسكرية عملياتية في المنطقة تمكنها من لعب دور التوازن أمام التفوق العسكري الأمريكي ـ الإسرائيلي. لذلك تركز بكين على توسيع نفوذها عبر الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية بدلا من التدخل العسكري. ومع ذلك، فقد رفعت الصين من مكانة إيران سياسي عبر دعم انضمامها إلى مجموعة دول “البريكس”. ومن وجهة نظر اقتصادية محضة، تسعى بكين إلى إنهاء الحرب بسرعة، لأن استمرارها التوتر قد يؤثر في إمدادات الطاقة العالمية.

وتشير القديرات إلى أن إيران توفر نحو 13% من حاجيات النفط الصينية، فيما يأتي نحو نصف مجموع وارداتها النفطية الإجمالية من إيران ودول الخليج مجتمعة. بمعنى آخر، فالاقتصاد الصيني لا يستطيع، على المدى الطويل، الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط. التبعية الطاقية يوازيها عجز عسكري لبكين في المنطقة كما ذهبت إلى ذلك صحيفة “هاندلسبلات” الاقتصادية الألمانية معلقة (الخامس من مارس) التي كتبت معلقة “تقف الصين اليوم تحت ضغط جيوسياسي هائل.

فالهجوم الأمريكي على إيران لا يظهر فقط القوة العسكرية لواشنطن، بل يكشف أيضاً حدود النفوذ الصيني في العالم. وعلى عكس حلف الناتو، تعتمد الصين على شراكات لا تتضمن التزامات واضحة بالدفاع المشترك. فـ”منظمة شنغهاي للتعاون”، وتكتل “بريكس”، ومبادرة “الحزام والطريق” كلها هيئات وأدوات تهدف لتعزيز النفوذ الصيني وربط الدول بمجال تأثير بكين، دون أن تضطر الصين نفسها لأي انخراط عسكري. لكن ما إن يتعرض أحد شركائها، مثل إيران أو فنزويلا، لنيران الولايات المتحدة، حتى تبدو الصين مكشوفة وعاجزة عن الفعل. فلا يصدر عنها في الغالب سوى البيانات والكلمات”.

إضعاف بكين أولوية السياسة الخارجية الأمريكية
يرى بعض المحللين أن استمرار وتوسع الحرب في الشرق الأوسط قد يمنح الصين فائدة استراتيجية نسبية، إذ أن انشغال الجيش الأميركي في المنطقة قد يشتيت تركيزه بعيدا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ القريبة من الصين، وإذا طالت التوترات فقد تستنزف القدرات العسكرية والدبلوماسية لواشنطن. فأولوية الأولويات بالنسبة للصين تبقى هي تايوان. فقد شددت بكين بشكل واضح من لهجتها بهذا الشأن خلال المؤتمر السنوي للحزب الشيوعي. مستعملة عبارات مثل “بمكافحة القوى الانفصالية بحزم” مؤكدة أنها ستعمل على دفع “قضية إعادة التوحيد الوطني” إلى الأمام. من جهة أخرى يسعى الرئيس ترامب لإضعاف الصين واحتوائها بكل الوسائل باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأول لواشنطن.

وبهذا الصدد كتبت صحيفة “دير ستاندارت” النمساوية (الرابع من مارس) معلقة “هناك العديد من الأصوات التي ترى أن الحرب في إيران موجهة في الحقيقة ضد الصين. وحسب هذا الرأي، يمكن ملاحظة بوصلة في تحركات سياسة دونالد ترامب الخارجية، وجميعها تصبو لهدف واحد: احتواء جمهورية الصين الشعببية”. فقد بدأ الأمر بالضغط على بنما، ثم التهديدات ضد غرينلاند، تلتها الضربة في فنزويلا، والآن الضربة ضد إيران. وبحسب هذا التحليل، فإن واشنطن تسعى إلى فرض سيطرة عالمية على سلاسل الإمداد وعلى النفط، في إطار صراع القوة مع الصين”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى