حادثة «فيرفورد» تستنفر بريطانيا: هل بدأت إيران تنفيذ تهديداتها؟

سعيد محمد – الأخبار:
تستنفِر بريطانيا بعد إحباط عملية تخريبية قرب قاعدة «فيرفورد» التي تُستخدم في العمليات الأميركية ضدّ إيران، وسط تحقيقات في احتمال ارتباطها بجهات أجنبية. ويعيد التهديد الإيراني باستهداف قواعد أميركية في أوروبا فرضية الردّ على العمليات العسكرية إلى الواجهة.
تشهد مقاطعة غلوسترشير البريطانية استنفاراً أمنياً واسع النطاق، وذلك عقب إحباط الأجهزة الأمنية عملية تخريبية مُعقّدة استهدفت قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي، والتي تشكّل واحدةً من أبرز نقاط انطلاق العمليات العسكرية الأميركية ضدّ إيران. وفي حين تواصل «قوة مكافحة الإرهاب» إجراء تحقيقاتها، تسود تكهنات بوجود بصمات إيرانية أو جهات معادية أخرى تسعى لتقويض أمن القواعد المُستخدَمة من جانب الولايات المتحدة. وبدأت فصول الحادثة في الساعات الأولى من صباح الأحد، حينما رصدت إحدى المزارعات المحلّيات تحرّكات مريبة لثلاث شاحنات بيضاء قطعت عليها طريق عودتها إلى منزلها في قرية ويلفورد، قبل أن يترجّل ثمانية إلى عشرة رجال مُقنّعين منها، ويلوذوا بالفرار نحو الحقول الزراعية المجاورة وقرية كيمبسفورد. وعلى خلفية ذلك، بادرت المزارِعة فوراً إلى إجراء اتصال هاتفي برقم الطوارئ، ما أسهم، بحسب ادّعاء السلطات، في إحباط هجوم كان يستهدف القاعدة العسكرية الحيوية التي تستضيف القاذفات الأميركية الاستراتيجية.
وعقب البلاغ، أُعلنت حال الطوارئ القصوى في المنطقة المحيطة بالقاعدة، التي أُغلقت مداخلها المتعدّدة بآليات زراعية ضخمة، توازياً مع رفع التأهّب حولها إلى المستوى «دلتا»، وهو المؤشّر الأعلى الذي يعكس توقّعات بهجوم وشيك. كذلك، بدأت على الفور عملية إجلاء واسعة النطاق شملت خمسة وثمانين منزلاً في قرية ويلفورد، فيما فُرض طوق أمني صارم بقطر أربعمئة متر حول الشاحنات المشبوهة – التي اعتُقد باحتوائها على عبوات ناسفة مُصنّعة يدوياً -، قبل أن تتعالى لاحقاً أصوات تفجيرات نفّذتها الفرق الهندسية العسكرية. أيضاً، تحوّل مقرّ «نادي فيرفورد الرياضي» في الجوار إلى مركز قيادة عمليات ميداني يعجّ بالخيام المؤقّتة ومركبات التحكّم المتقدّمة وعربات الإسعاف. وتكتّمت السلطات بشدّة على هويات خمسة معتقلين قبضت عليهم في إثر الحادثة، وظهروا في مقاطع مُصوّرة وهم مقيّدو الأيدي ومُجرّدون من قمصانهم العلوية. وفيما أُفرج عن هؤلاء – أمس – بكفالة، بعد خضوعهم لاستجوابات كان يُحتمل أن تمتدّ لأربعة عشر يوماً وفقاً لصلاحيات «قانون الإرهاب» لعام 2000، أثارت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في شأن خضوع المشتبه بهم لمراقبة حثيثة ومستمرّة لفترة طويلة قبل الإيقاع بهم، جدلاً واسعاً بفعل تناقضها مع الرواية البريطانية. وهو تناقضٌ سارع وزير الدفاع البريطاني، ويس ستريتينغ، إلى تخفيف حدّته، بالتشديد على حتمية منح الأجهزة الأمنية المساحة الكافية لاستكمال عملها بسرّية تامة، بما يضمن فعّالية التحقيقات ونجاحها.
كانت الحكومة البريطانية اتّخذت إجراءات لتحجيم ما تصفه بالتأثير الإيراني في المملكة
واتّخذت الحادثة، التي أعقبها رفع مستوى التهديد الإرهابي في المملكة المتحدة إلى درجة شديدة الخطورة، بُعداً دولياً، وذلك بالنظر إلى الأهمية العسكرية الاستثنائية لقاعدة «فيرفورد»، التي تتميّز بمدرج يمتدّ لثلاثة كيلومترات مُصمّم خصيصاً لاستيعاب القاذفات الثقيلة من مثل «بي واحد» و«بي اثنين وخمسين»، ووظّفتها الولايات المتحدة أخيراً لشنّ هجمات ضدّ مواقع الصواريخ الإيرانية، ردّاً على استهدافات متكرّرة في مضيق هرمز. وكان «الحرس الثوري الإيراني» هدّد، في تموز الماضي، باستهداف القواعد العسكرية الموجودة في أوروبا التي تُستخدم لدعم العمليات الأميركية، وهو ما جعل فرضية تورّط إيران تتصدّر واجهة التحقيقات الحالية، توازياً مع فرضيات أخرى تشمل عمليات تخريب روسية. وبحسب شرطة «مكافحة الإرهاب» البريطانية، يجري حالياً درس احتمال أن يكون حادث «فيرفورد» نُفّذ عبر «وكلاء لصالح دول أجنبية».
وألقت تلك التطوّرات بظلالها الكثيفة على أروقة السياسة البريطانية، ولا سيما فعّاليات المؤتمر السنوي لـ«حزب العمل الحاكم» في مدينة ليفربول، حيث اضطرّ رئيس الوزراء، آندي بيرنهام، إلى تعديل جدول أعماله وإلغاء بعض مشاركاته بهدف متابعة تطوّرات الموقف الأمني. ووصف بيرنهام حادثة «فيرفورد» بالمُقلِقة بشدّة، مؤكداً التزام حكومته المُطلق بتوفير أقصى درجات الحماية للمجتمعات المحلية، في حين اعتبر وزير الخارجية، إد ميليباند، الحادثة تذكيراً حيّاً بطبيعة التهديدات الوجودية التي تواجهها البلاد، متعهّداً بالتصدّي الحازم لأيّ جهات معادية تسعى لبثّ الفوضى في الأراضي البريطانية. وكان التقى ميليباند نظيره الإيراني، عباس عراقجي، في نيويورك، حيث حذّر من تنفيذ أنشطة عدائية على الأراضي البريطانية.
وامتدّت التداعيات الأمنية للواقعة لتشمل المصالح الأميركية في بريطانيا؛ إذ بادرت السفارة الأميركية لدى لندن إلى إصدار تحذير أمني عاجل يحثّ المواطنين الأميركيين على توخّي أقصى درجات الحيطة والحذر، مع التركيز على احتمالية استهداف التجمعات والمنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة. كما رُفع مستوى التأهبّ في قواعد عسكرية أخرى يستخدمها الجيش الأميركي على الأراضي البريطانية، من مثل «لاكينهيث» و«ميلدنهال». أيضاً، تزامنت حادثة «فيلفورد» مع الإعلان عن وصول أسعار وقود الديزل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ المملكة – لامست عتبة المئة والتسعة والتسعين بنساً لليتر الواحد -، وذلك بتأثير من تعقيدات المشهد العسكري في الشرق الأوسط واستمرار المواجهات الأميركية – الإيرانية التي تعيق حركة إنتاج النفط العالمي ونقله.
وكانت الحكومة البريطانية اتّخذت إجراءات لتحجيم ما تصفه بالتأثير الإيراني في المملكة؛ إذ فرضت عقوبات قاسية على اثني عشر كياناً وشخصاً ذوي علاقة بطهران لاتّهامهم بتدبير عمليات تخريبية وتمويل جماعات تسعى لزعزعة استقرار المملكة المتحدة. كما وجّهت أصابع الاتهام إلى أطراف مرتبطة بالجمهورية الإسلامية في هجمات وُصفت بأنها «معادية للسامية» في العاصمة لندن، استهدفت مؤسّسات الجالية اليهودية وسيارات الإسعاف التابعة لها ومعارضين إيرانيين بارزين. وتأتي الآن حادثة الشاحنات المُفخّخة قرب «فيلفورد» لتعزّز المطالبات داخل البرلمان البريطاني بضرورة تكثيف الاستثمارات في قطاع الدفاع، وتخصيص ميزانيات ضخمة لتحديث المنظومات الأمنية، بما يتيح مواكبة تهديدات تقول السلطات إنها متنامية.




