ترقّب لموقف أميركا من الاتفاق: إيران وعُمان تستكملان «مشروع هرمز»

محمد خواجوئي – الأخبار:
وسط تصاعد الضغوط الأميركية على إيران، تتواصل المساعي الدبلوماسية لاحتواء التوتر، ولا سيما عبر التفاهم الإيراني-العُماني بشأن الملاحة في مضيق هرمز، فيما تواصل طهران التشديد على شروطها للعودة إلى التفاوض مع واشنطن، مع احتدام الجدل الداخلي حول جدوى الحوار.
طهران | رغم أن العقوبات الأميركية الجديدة ضدّ إيران، فتحت الباب على مرحلة إضافية -وإن من نوع آخر- من التصعيد، إلا أن التحرّكات الدبلوماسية استمرّت بالتوازي، وعلى رأسها المشاورات الإيرانية – العُمانية بشأن ترتيبات الملاحة والعبور في مضيق هرمز، والتي خلصت إلى إصدار البلدَين بياناً مشتركاً يؤكد التفاهم بينهما على تلك الترتيبات. ومع ذلك، ربطت طهران نجاح التفاهم الثنائي بقدرة مسقط على مواجهة العراقيل التي تضعها واشنطن في هذا الطريق.
وشهدت الأيام الماضية تصاعداً في وتيرة التحرّكات الدبلوماسية الرامية إلى نزع فتيل التوتر، في حين تزايدت التكهّنات بشأن إمكانية التوصّل إلى صيغة تفاهم جديدة. وكان وصَف مهدي طباطبائي، مساعد الشؤون الإعلامية في مكتب الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، زيارة قائد الجیش الباکستاني، عاصم منير، إلى طهران، الإثنين الماضي، بأنها «مثمرة للغاية»، مؤكداً أن «نتائج هذه الزيارة ستَظهر قريباً». كما أفادت مصادر دبلوماسية في طهران بأن الجانب الإيراني أبلغ منير، بشروطه للعودة إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة، وفي مقدّمها «عودة واشنطن إلى تفاهم إسلام آباد، والالتزام بتطبيق بنوده، ولا سيّما البند الخامس المتعلّق بالترتيبات الإيرانية لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز».
وفي السياق نفسه، استقطب البيان المشترك الصادر عن إيران وسلطنة عُمان، في ختام زيارة وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، لطهران، ومحادثاته مع نظيره الإيراني، عباس عراقجي، أول من أمس، اهتماماً لافتاً. وأفاد البيان بأن المباحثات جارية حالياً بشأن «إنشاء ممرّ ملاحي مؤقّت ومشترك عبر مضيق هرمز»، إضافة إلى «مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام»، مؤكداً أن هذَين المقترحَين يمكن أن يوفّرا «أساساً عملياً وقابلاً للتطبيق للمضيّ قُدُماً». وحدّد الطرفان الهدف من هذه المحادثات بـ«استئناف الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، مع صون السيادة والحقوق السيادية لكليهما».
ومع أن تفاصيل التفاهم الإيراني – العماني لم تتبلور بصورة كاملة بعد، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بعضاً منها، منبّهاً إلى أن المضيق «لن يُفتح غداً» حتى بعد إنجاز الاتفاق النهائي بين طهران ومسقط. وأوضح أنه «وفقاً لهذا التفاهم، سيكون مسار الدخول إلى الخليج الفارسي عبر المياه الإيرانية، ومسار الخروج عبر المياه الإقليمية العُمانية، وفي كلا المسارَين ستمرّ السفن عبر المياه الإيرانية». وشبّه المسؤول الإيراني الممرّ المقترح بـ«طريق سريع في اتجاهَين» بعرض إجمالي يقارب 7 أميال، مبيّناً أن المسار المتوافَق عليه في المحادثات «مؤقّت»، وأن على البلدَين «التفاوض خلال 30 إلى 60 يوماً بشأن مسار دائم جديد يحلّ محلّ مخطّط المرور الملاحي السابق». وفي معرض ردّه على مزاعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن «التطهير الكامل لمضيق هرمز من الألغام»، تساءل غريب آبادي: «إذا كانت الولايات المتحدة أزالت الألغام بالفعل، فلماذا تعجز السفن حتى الآن عن عبور المضيق؟ هذه المزاعم ليست سوى أكاذيب دعائية».
الهدف الأميركي من تشديد الحصار الاقتصادي محاولة تفجير اضطرابات داخلية في إيران
ومن جهته، أكد المتحدث باسم «الحرس الثوري»، حسين محبي، أمس، أن إيران توصّلت مع عُمان إلى نتائج «تحظى بموافقة الجانبين»، لكنه لفت إلى أن واشنطن هي التي تعرقل هذا المسار. وقال لوكالة «تسنيم»: «لقد بدأنا المفاوضات مع عُمان منذ نحو شهر، وتوصّلنا إلى نتائج مقبولة للطرفَين»، مشدّداً على أنه «إذا كفّت واشنطن عن العرقلة وعادت إلى التفاهم، فسيكون بإمكاننا فتح مضيق هرمز في إطار ما تمّ الاتفاق عليه، وبالتالي يتعيّن على الولايات المتحدة قبول شروطنا».
ويُعتبر التفاهم بين طهران ومسقط محاولة لإرساء آلية تعاون مستقرّة بعيداً من تأثير واشنطن، غير أن التحدّي الأساسي يكمن في مدى قدرة هذا المسار على الصمود أمام الضغوط الخارجية. فعلى مدى السنوات الماضية، نجحت عُمان في الحفاظ على موقعها كوسيط بين إيران والولايات المتحدة؛ أمّا اليوم، فإن واشنطن، عبر توسيع نطاق عقوباتها، باتت تضغط عملياً على هوامش المناورة المتاحة لشركاء إيران في اتخاذ القرار. ومن هنا، تشكّل زيارة البوسعيدي لإيران اختباراً لاستقلالية الدبلوماسية العُمانية من جهة، ولمدى قدرة طهران ومسقط على حماية مصالحهما المشتركة من جهة ثانية، لا سيما وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية.
في هذا الوقت، جدّد الرئيس الإيراني القول إن نهج بلاده يقوم على التفاهم وحلّ القضايا عبر الحوار والتفاوض. وجاءت تصريحات بزشكيان خلال زيارة تفقّدية أمس إلى البنك المركزي، ترافقت مع تراجع قيمة العملة الوطنية الإيرانية إلى مستويات قياسية جديدة، وتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع الاقتصادية تحت وطأة الضغوط الأميركية. ومع ذلك، أكد الرئيس الإيراني المضيّ في المواجهة، قائلاً: «سنقف بحزم في وجه الضغوط الاقتصادية، كما فعلنا حتى الآن. وبفضل التدابير الاقتصادية التي اتّخذتها الحكومة، لن تجني الولايات المتحدة شيئاً من ضغوطها الاقتصادية، تماماً كما عجزت عن تحقيق أيّ مكسب خلال الحرب».
ويرى مراقبون أن الهدف الأميركي الراهن من تصعيد الضغوط وتشديد الحصار الاقتصادي، يتمثّل في تأجيج الأزمات المعيشية داخل إيران، ومحاولة تفجير اضطرابات واحتجاجات داخلية على غرار أحداث كانون الثاني الماضي، التي أعقبتها، بعد شهرَين فقط، حربٌ واسعة شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ الجمهورية الإسلامية.
ويأتي ذلك فيما يستمرّ تباين الآراء داخل إيران حول كيفية إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، وما إذا كان التفاوض خياراً ملائماً أم لا. وفي هذا السياق، جاء ردّ رئيس الفريق المفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، على انتقادات رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المحسوبة على التيار الأصولي، حسين شريعتمداري. إذ اعتبر قاليباف أن «التفاوض ليس له قيمة بحدّ ذاته، كما أنه ليس من المحرّمات»، مضيفاً أن «التفاعل مع العالم يختلف جذرياً عن التبعية والاستسلام». ورأى أن «التهرّب من تحمّل مسؤولية التفاوض مع العدو في ظلّ هذه الظروف، والتربّص لتوصيف أيّ إنجاز يحقّقه الفريق المفاوض بأنه خيانة، هو عين السعي وراء السلامة والقعود عن المسؤولية». كما شدّد على أنه بالتوازي مع «رسم خطوط واضحة ضدّ النزعة التغريبية»، لا يجوز تفسير أيّ حوار مقتدر، أو جهد يُبذل لتحصيل حقوق الشعب، على أنه «مساومة».




