خاصأبرزرأي

ترامب والنظام الدولي: حين تسقط الأقنعة

لم يكن ترامب كسرًا للنظام الدولي، بل مرآته الأكثر قسوة. بين دافوس وغرينلاند و«أميركا أولًا»، حكاية عالم يتعرّى من أوهامه…

كتبت الصحفية جنى شوربا:

ليس دونالد ترامب ظاهرة عابرة في السياسة الدولية، ولا يمكن اختصاره بشخصية صدامية أو خطاب شعبوي فحسب. المفارقة أن الرجل نجح في أن يضع إصبعه على جرحٍ عميق في النظام الدولي. وقد قال بصوت مرتفع ما اعتاد النظام الدولي إخفاءه خلف لغة دبلوماسية ناعمة: صراع مصالح، وهيمنة قوى، ونظام دولي صيغ ليخدم الأقوى، لا العدالة. وربما هنا تكمن خطورته الحقيقية.

في دافوس 2026، لم يفعل ترامب أكثر من نزع القناع، حين تحدث عن إمكانية التفاوض على ضم غرينلاند، واصفاً إياها بأنها جزء من «الأمن القومي الأميركي وإرث جغرافي لأميركا الشمالية»، وأكد في الوقت عينه أنه لن يستخدم القوة، موضحاً أن أي قرار سيأتي عبر المفاوضات فقط. لكن السؤال الحقيقي لم يكن كيف، بل لماذا يحق له التفكير بذلك أصلاً.

نظام بلا عدالة
من الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، ومن القانون الدولي إلى ما يُسمّى «النظام القائم على القواعد»، تتكشف الازدواجية. قرارات تُنفذ على دول، وتُعلّق على دول أخرى. احتلالات تُدان بالكلام وتُحمى بالفعل. وحقوق الإنسان تتحوّل إلى أداة ضغط سياسي لا أكثر.

حين قال ترامب في دافوس إن الولايات المتحدة «أعطت الكثير للناتو ولم تحصل على ما يكفي»، لم يكن ذلك مجرد ابتزاز سياسي. كان تصريحاً فظّاً، نعم، لكنه صريح. أوروبا، التي اعتادت الاحتماء بالمظلّة الأميركية، وُضعت فجأة أمام سؤال غير مريح: ماذا لو قررت واشنطن الحساب بلغة الربح والخسارة فقط؟

«أميركا أولاً»: سقوط الرواية
شعار «أميركا أولاً» لم يكن انقلاباً على السياسة الأميركية، بل كشف للعلن ما كان يُمارس بصمت. ترامب لم يغلق الباب أمام التعاون الدولي، لكنه فرض قاعدة واضحة: لا التزام إلا بما يخدم مصالح أميركا المباشرة. شخصياً، لا أرى في هذا الخطاب ثورة على السياسة الأميركية، بل كشفاً لها.

اللافت أن خطاب ترامب لم يكن صادماً لخصوم الولايات المتحدة بقدر ما كان مزعجاً لحلفائها. المؤسسات الدولية التي استمدّت وزنها من الغطاء الأميركي بدت فجأة هشّة، وكأن أحدهم سحب العمود الفقري من جسد اعتاد الوقوف عليه. وهنا السؤال غير المريح: هل هذه المؤسسات قوية بذاتها؟ أم أنها كانت تعيش على وهم الدعم الدائم؟

فوضى أم لحظة انتقال؟
منتقدو ترامب يرون في خطابه تسريعاً للفوضى الدولية، حيث تتقدم القوة على القواعد. لكن، بصراحة، هل كانت القواعد عادلة أصلاً؟ أم أنها كانت تُستخدم لضبط الأضعف فقط، بينما يتم تجاوزها حين تتعارض مع مصالح الأقوياء؟

ما فعله ترامب — سواء اتفقنا معه أم لا — أنه عجّل مساراً كان جارياً: تفكك النظام الدولي التقليدي، وصعود عالم أقل نفاقاً… وربما أكثر قسوة.

ما بعد ترامب… لا عودة سهلة
الأثر الأهم لتجربة ترامب هو فيما ستتركه بعد سنوات حكمه. لم يعد سهلاً العودة إلى خطاب «النظام الدولي العادل». الشك بالمؤسسات الدولية ترسّخ، والنزعة القومية تصاعدت، والدول أصبحت أكثر جرأة في تحدي «الشرعية الدولية» التي فقدت معناها لدى كثيرين.

السؤال اليوم ليس إن كان ترامب محقاً أو مخطئاً، بل إن كان العالم قادراً على إنتاج نظام دولي جديد، أقل نفاقاً وأكثر توازناً، أو أنه يتجه نحو مرحلة تحكمها القوة بلا أي غطاء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى