رأي

بناء مستقبل أكثر سلميةً وازدهاراً بعزم السوريين ومهاراتهم

آن سنو – العربي الجديد:

بينما أستعدّ لنهاية ولايتي في منصب المبعوثة البريطانية الخاصّة إلى سورية، أستعرض رحلة سورية المفصلية في السنوات القليلة الماضية وأتفكّر فيها.

تولّيت منصبي هذا في مايو/ أيار 2023، بعد بضعة أشهر من الزلازل المدمّرة التي ضربت تركيا وشمال شرقي سورية. حينها كان ينظر كثيرون في أنحاء العالم إلى سورية على أنها مشكلة: مصْدَر للاجئين، ومركز لتهريب الأسلحة والمخدّرات، ومُصدّرة للإرهاب. وعادة ما وُصف الوضع في سورية بأنّه مستعصٍ وجامد وكارثي. حينذاك، كانت سياسة المملكة المتحدة هي عدم التواصل مع نظام الأسد، وهي سياسة وُلِدت من رحم انتهاكاته المروّعة لحقوق الإنسان والعنف الذي كان يرتكبه تجاه الشعب السوري. مع ذلك عملنا حيثما استطعنا لدعم الشعب السوري، فقدّمنا المساعدات الإنسانية والطارئة، وعملنا مع مجتمعات محلّية لدعم التعليم والزراعة، كما دعمنا مجموعة واسعة من منظّمات المجتمع المدني، بما فيها منظّمات نسائية، وجماعات عملت في حفظ الأدلة لاستخدامها في عملية المحاسبة مستقبلاً، فعلنا ذلك كلّه على أمل أن يُفتَح فصل جديد أفضل للسوريين. وحتى اليوم، تظلّ الأزمة السورية أكبر أزمة إنسانية استجبنا لها على الإطلاق، إذ قدّمت المملكة المتحدة نحو 4.8 مليارات جنيه إسترليني (نحو 6.5 مليارات دولار) من المساعدات منذ سنة 2011.

ثمّ في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2024، وقعت سلسلة من الأحداث حملت الأمل للسوريين، كنتُ حينها أحضر منتدى الدوحة مع زملاء وأصدقاء سوريين عديدين، وتابعنا مجريات الأحداث التي أفضت إلى انهيار النظام وفرار بشار الأسد. حينها نُشرت رايات المعارضة، وانهمرت الدموع. كانت تلك دموع الفرح، وأيضاً دموع ذكرى كلّ ما حدث سابقاً.

وبعد بضعة أيّام، سافرت إلى دمشق للمرّة الأولى منذ زيارتي لها قبل الحرب. رأيت “كبسولة الزمن” (دمشق) التي ظلّت كما تركتها (ومقرّ سكن السفير، حيث كانت قائمة العطلات الرسمية لسنة 2012 لا تزال على الجدار!). شعرتُ بالبهجة، لكنّني سمعت أيضاً أسئلة عمّا سيأتي لاحقاً، عن توفير الكهرباء والوظائف، والانتقال السياسي ومستقبل مكوّنات البلاد كلّها بثقافتها التاريخية الغنيّة. بالنسبة إلى المملكة المتحدة، كان دعمها سورية دائماً يتعلّق بالاستجابة للاحتياجات العاجلة والتحدّيات طويلة المدى. فالتمويل المقدّم من المملكة المتحدة ساعد مجتمعات محتاجة في الحصول على الغذاء والرعاية الطبّية والحماية والمأوى والماء وغير ذلك من الخدمات الضرورية. هذا الدعم ليس مجرّد دعم نظري؛ بل إنّه وصل إلى عائلات تواجه التشريد والفقر، وانعدام كلّ من الأمن والاستقرار.

حتى اليوم، تظلّ الأزمة السورية أكبر أزمة إنسانية استجبنا لها على الإطلاق

لكنّ المملكة المتحدة كانت واضحة دائماً في تأكيدها أنّ سورية في حاجة إلى أكثر من مجرّد تلك الإغاثة الفورية. وهذا ما دعانا إلى المبادرة إلى دعم “التعافي المبكّر”، والاستثمار في برامج تدعم التعليم لأجل دعم أجيال المستقبل، وسُبل العيش في المجتمعات، والتعافي الزراعي لمساعدة العائلات في إعالة نفسها. وعملنا منذ ديسمبر 2024 على تسريع خطى هذه الجهود بالشراكة مع وزارات جديدة في دمشق.

طوال الفترة التي قضيتها في دوري هذا، شاهدتُ كيف دعمت المملكة المتحدة الجهود عبر الشراكة. التقيت معلّمين ومعلّمات يساعدون الأطفال في العودة إلى مقاعد الدراسة، ومزارعين يعيدون بثّ الحياة في أراضيهم، ونساء يتولين قيادة مبادرات مجتمعية، وشباباً وشابّات سوريين يتابعون تعليمهم ويسعون وراء الفرص المتاحة لهم. وشهدتُ عودة خرّيجين سوريين من بعثة تشيفننغ البريطانية إلى سورية ليلعبوا دورهم فيما سيأتي لاحقاً. كذلك رأيتُ سوريين (بمن فيهم بريطانيون سوريون) عازمين على أداء دورهم لاغتنام فرصة لم يتوقّعوا أبداً أن تُتاح لهم. وكم أثار إعجابي عزمهم وطاقتهم وصمودهم.

التمويل المقدّم من المملكة المتحدة ساعد مجتمعات محتاجة في الحصول على الغذاء والرعاية الطبّية والحماية والمأوى والماء وغير ذلك من الخدمات الضرورية

يبدو جليّاً لي أنّ الدعم الدولي الفعّال لا بدّ أن يستند إلى الواقع في سورية، ويسترشد بما يقوله السوريون أنفسهم. فجهودنا تؤتي ثماراً أفضل حين تكون عملية، وقائمة على أساس الاحتياجات المحلّية، وتركّز على ما تعتبره المجتمعات أولويات.

إنّ الدور الذي تلعبه المملكة المتحدة ليس لأجل بلورة ما سيكون عليه مستقبل سورية، فذلك المستقبل هو ملك للسوريين وحدهم، لكنّ المملكة المتحدة يمكن أن تكون، بل وستظلّ، صديقاً وشريكاً يُعوّل عليه؛ تساعد في تلبية الاحتياجات العاجلة، وتدعم التعافي، وتقوّي العزم والصمود، وتحثّ على المساءلة، وتساند كلّ مَن يعمل لأجل أن تكون سورية مستقرّة وجامعة لكلّ مكوّنات المجتمع السوري.

أغادر منصبي هذا وأنا أُكنُّ الاحترام العميق للسوريين الذين التقيتهم، وأشعر بالثقة فيما سيحمله المستقبل. وعلى الرغم من وجود تحدّياتٍ كثيرة أمامكم أيّها السوريون، فإنّكم تتمتّعون بقدر هائل من المهارات الجماعية والعزم، لذا أتمنّى لكم حظّاً سعيداً في طريقكم نحو بناء مستقبل أكثر سلمية وازدهاراً للجميع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى