انقلاب ترامب في فنزويلا وتهديداته لكوبا عادات أميركية قديمة

كتبت جوناثان إم. كاتز, في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:
إن التدخل في شؤون أميركا اللاتينية هو مصدر رزق واشنطن الأساسي.
لماذا أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بغزوة سريعة لفنزويلا وخطف رئيسها في الـ3 من الشهر الجاري؟ هل كان ذلك من أجل النفط، كما أعلن ترامب بجرأة بعد الهجوم فوراً؟ أم لإزاحة “طاغية فاسد”، والحد بطريقة أو بأخرى من تهريب المخدرات، وتعزيز حملته ضد الهجرة؟ أم لاستعراض القوة أمام المنافسين الدوليين، ولصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية، أم لتورطه في قضية جيفري إبستين، أم لتراجع شعبيته في الداخل؟
كل هذه الأسئلة خادعة، فقد كان ذلك لكل تلك الأسباب وأكثر. ولقد وصف كل من المنظرين وكتاب السيناريو الغزو بأنَّه “مفرط التحديد”، أي إنَّه حالة كان من الممكن أن يكون لها عشرات الأسباب المحتملة، ويُمكن لأي منها أن يفسر الدوافع وراءها بالقدر الكافي. وبينما تعد بعض مواقف ترامب، مثل هوسه بضم غرينلاند، نتاجاً لأمراضه الفريدة، فإن التدخلات المفرطة في التحديد كانت سمة من سمات التدخل الأجنبي الأميركي لأكثر من قرن، وخاصة في أميركا اللاتينية، وهي منطقة لطالما اعتبرها الإمبرياليون الأميركيون امتداداً لممتلكات الولايات المتحدة، مبررين ذلك باستحضارات غير تاريخية لما يسمى “مبدأ مونرو”، ويُشار إليها تقليدياً باسم “فناء منزلنا الخلفي”.
لنأخذ نيكاراغوا كمثال، التي يضعها وزير الخارجية ماركو روبيو نصب عينيه بعد فنزويلا. فلقد تدخلت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً في هذه الجمهورية الواقعة في أميركا الوسطى من عام 1909 وحتى ثمانينيات القرن الماضي. وكانت هناك دوافع عديدة منذ البداية. فقد ورث الرئيس ويليام هوارد تافت من سلفه، ثيودور روزفلت، قائمة طويلة من الالتزامات الإمبريالية، من قمع الثورة ضد الحكم الاستعماري الأميركي في الفيليبين، وصولاً إلى مواصلة بناء قناة عابرة بين المحيطات في دولة بنما التابعة حديثاً، والتي أسهمت إدارة روزفلت في إنشائها لهذا الغرض.
وكان روزفلت وحلفاؤه قد فكروا في حفر القناة عبر نيكاراغوا، وعندما وقع الاختيار على بنما بدلاً من ذلك، بدأ الرئيس النيكاراغوي خوسيه سانتوس زيلايا بتوطيد العلاقات مع شركاء أوروبيين محتملين، بمن فيهم الألمان واليابانيون. كما قلص الامتيازات الممنوحة للمستثمرين الأميركيين، ولا سيما في قطاع التعدين، ورفع الضرائب على المستثمرين الأجانب. وفي أواخر عام 1909، قام جنرال نيكاراغوي محافظ بانقلاب ضد زيلايا، مستعيناً بذكاء محاسب يعمل في شركة تعدين مملوكة لمدينة بيتسبرغ. وقد ندد وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك فيلاندر نوكس وهو محامٍ ومصرفي من بيتسبرغ، رسمياً بزيلايا ووصفه بأنَّه “وصمة عار في تاريخ نيكاراغوا”، وصوّر الانقلابيين بلغة ديمقراطية، زاعماً أنًّ “ثورتهم تعبر عن مُثل وإرادة أغلبية الشعب النيكاراغوي بأمانة أكبر” من الرئيس.
وبعد 4 أيام أمر الرئيس تافت بإرسال كتيبة من مشاة البحرية الأميركية إلى نيكاراغوا لدعم الانقلاب، بينما استقال زيلايا وفرَّ إلى المكسيك. بعد ذلك، أُرسل العميل توماس موفات في وزارة الخارجية الأميركية إلى نيكاراغوا لفرض ديون جديدة لمصلحة مصارف وول ستريت، مثل “براون براذرز” و”جيه دبليو سيليغمان”، والتي ستستخدم نفوذها بعد عامين لتأسيس بنك مركزي نيكاراغوي تديره الولايات المتحدة، ومقره في ولاية كونيتيكت. وعندما ثار المتمردون النيكاراغويون ضد الوجود الأميركي المكثف، نُشر المزيد من مشاة البحرية، ليتحول الأمر إلى احتلال أميركي شامل استمر حتى عام 1933.
ولقد دفع صعود “الجبهة الساندينية” إلى السلطة بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في عهد الرئيس رونالد ريغان في ثمانينيات القرن المنصرم، إلى تسليح ودعم فرق الموت “الكونترا”، التي مُوّلت من بين أمور أخرى بكوكايين هُرّب إلى الولايات المتحدة، وأموال حُوّلت على نحو غير قانوني من مبيعات الأسلحة لإيران. ومع ذلك، ما يزال زعيم “الجبهة الساندينية” دانيال أورتيغا، رئيساً لنيكاراغوا حتى يومنا هذا. وقد ندد روبيو، متأثراً بموقف نوكس، بحكومة أورتيغا ووصفها بأنَّها “عدو للإنسانية”، ما يشير إلى أنه قد يكون في قائمة المرشحين لغزوة مستقبلية لتغيير النظام.
كان قائد أول كتيبة من مشاة البحرية الأميركية تهبط في نيكاراغوا دعماً لانقلاب 1909 هو الرائد سمدلي د. باتلر، الذي أدرك فوراً الدوافع الخفية خلف عملية الغزو، وكتب رسالة إلى والديه قال فيها إنَّ “ما يثير غضبي هو أنّ الثورة بأكملها مستوحاة وممولة من قبل أميركيين لديهم استثمارات مغامرة هنا، ويريدون تحقيق مكاسب من خلال إقامة حكومة تؤمن احتكارات لمصلحتهم”.
مع ذلك تجاوز باتلر تلك الشكاوى، ومضى في مسيرة عسكرية مذهلة، حيث حصل مرتين على وسام الشرف وكان من قدامى المحاربين فيما لا يقل عن 15 تدخلاً أميركياً “مفرطة الدوافع” بالقدر نفسه، مثل النفط في المكسيك، والخوف من تدخل ألماني أو بريطاني، وطلبات الحماية من مصالح الأعمال الأميركية، وكراهية ويلسون الشخصية للطاغية المكسيكي وهايتي، وديون واستثمارات من قبل المصارف الأميركية، وأساساً إلى ما أصبح الآن عدم الاستقرار الإقليمي، والعنصرية الفجة.
بعد تقاعد باتلر في عام 1931 برتبة لواء، أصبح ناشطاً صريحاً ضد الحرب والإمبراطورية الأميركية، وأدان الحرب باعتبارها “عملاً احتيالياً، وليست كما تبدو لغالبية الناس، وهي مصالح قلة قليلة، على حساب الكثيرين”. وبعد ذلك بوقت قصير، أدان نفسه وقال إنَّه “محتال من أجل الرأسمالية”. مع ذلك كان تحليل باتلر مبسطاً، عند مراجعة مسيرته المهنية، كان يجد دافعاً خفياً واحداً، وعادةً ما يكون الدافع الأكثر دناءة، والذي أُخفي عمداً عن الجمهور الأميركي وهو العمل المصرفي في نيكاراغوا وهايتي، والنفط في المكسيك والصين، وأرباح شركات الفاكهة في هندوراس، وكل ذلك يُفسر بالقدر الكافي تلك العمليات بأكملها.
ويستند هذا إلى افتراض سائد منذ زمن طويل، أو على الأقل إلى افتراض معلن عنه طوال معظم التاريخ الأميركي، مفاده أنَّ الشعب الأميركي ليبرالي مثالي، وإنساني، وديمقراطي بالفطرة. ويفترض هذا أنَّه لو علم الأميركيون أننا غزوْنا المكسيك عام 1914 لا بدافعٍ من مثالية ويلسون فحسب، بل من أجل الوصول إلى النفط، أو العراق عام 2003 للسبب نفسه، لكان ذلك قد أضعف الدعم الشعبي لتلك الحروب، ومنع اندلاع أخرى جديدة.
يختبر ترامب هذه الفرضية. ففي إعلانه القبض على نيكولاس مادورو، أوضح بسرور أنَّ الاستيلاء على احتياطيات النفط الفنزويلية الهائلة كان أحد دوافعه الرئيسية، وقال “لم نكن لنسمح لهم بالإفلات بفعلتهم، فكما تعلمون، لقد سرقوا نفطنا”. مع ذلك، فإنَّ عدم رغبة شركات النفط الأميركية الكبرى في العودة إلى فنزويلا لا يهمه، فهو سيظلّ مُدافعاً شرسًا عن الرأسمالية برغبة الرأسمالين أو بعدمها. وفي مؤتمره الصحافي، لم تُذكر كلمة “ديمقراطية” ولو لمرة واحدة. ولم يبدُ متحمساً لإجراء انتخابات فنزويلية جديدة أو حتى الدعوة إليها. ويبدو أنَّ قاعدته الشعبية، في معظمها، غير مكترثة بهذا التخلي التام حتى عن مظاهر الليبرالية الدولية، كما ينقسم الأميركيون بشدة حول صواب أو خطأ التدخل في هذه القضية.
وكما هي الحال في جميع التدخلات الأميركية السابقة، هناك العديد من الرؤى المتداخلة، حيث أحلام روبيو المناهضة للشيوعية وبإسقاط الحكومات اليسارية في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة في كوبا موطن والديه، مع نزعة استعمار مستشار ترامب السياسي ستيفن ميلر غير التائب في الداخل والخارج، زائداً رغبة وزير الدفاع بيت هيغسيث الهشة في استعراض أقصى قدر من الفتك، وليس الشرعية. وكل هذه الأمور تدمج معاً لتغطية ما يسمى استراتيجية الأمن القومي للإدارة، حيث “المبدأ الترامبي المضاف إلى مبدأ مونرو”، والذي أصبح “مبدأ دونرو”، يهدف كما هو معلن إلى “استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي”، و”ردع الهجرة الجماعية”، وضمان “وصولنا إلى المناطق الجغرافية الرئيسية في جميع أنحاء المنطقة.
يمكن المجادلة بنجاح ضد جميع هذه الدوافع من الناحيتين العملية والأخلاقية. لكن التعدد في الأسباب يخلق دفاعه الخاص، والذين ينتقدون ويركزون على النفط يُقال لهم إنَّ الأمر يتعلق فعلاً بالهجرة، والذين يعارضون رواية تهريب المخدرات يُسألون لماذا يدافعون عن طاغية، ومن يشير إلى نفاق ترامب أو جرائمه، أو حقيقة أَّن نظام مادورو ما يزال قائماً، يُذكرون بتاريخ الولايات المتحدة الطويل في دعم الأنظمة الاستبدادية حول العالم. كل ذلك يوجب على شبيهي باتلر الحاليين، سواء كانوا في الجيش أم في الحكومة أم بين الجمهور أم بين الصحافيين، أن يجدوا طريقة لمواجهة كل هذه الأمور دفعة واحدة.
مترجم الى العربية




