النظام الدولي.. ما البديل؟

في منتدى دافوس الأخير، اتضحت الصورة تماماً. النظام الدولي الحالي، لم يعد قادراً على الصمود في وجه ما يتعرض له العالم من مخاطر وتحديات، باتت تشكل تهديداً حقيقياً للأمن والسلام العالميين، بما يجعل من الأمم المتحدة مجرد هيكل بلا قواعد، وميثاقها الذي قامت عليه بعد الحرب العالمية الثانية، صار من الماضي، بدلاً من أن يكون ركيزة أساسية في العلاقات الدولية، ودعم أُطر حل النزاعات.
منتدى دافوس تحوّل من منصة لمناقشة الوضع الاقتصادي العالمي، وكيفية مواجهة الأزمات الاقتصادية التي يواجهها العالم، إلى ساحة مواجهة بين أعضاء هذا النظام، ما كشف عن إجماع بأن العالم يمر بأسوأ المراحل، بعد أن فقد كل القواعد، وأخذ ينزلق سريعاً نحو الفوضى، فيما يشبه السقوط الحر.
معظم المشاركين في المنتدى، وهم أكثر من خمسين رئيس دولة و2500 من القادة السياسيين والاقتصاديين ورجال الأعمال، ونخبة من صنّاع القرار، أدركوا للمرة الأولى أن العالم ومعه المنتدى في حالة من التوتر، حيث برزت تحولات جيوسياسية عميقة في البيئة الدولية، لم تكن معهودة من قبل، تشي بترسيم موازين القوى من جديد، حيث ارتفع لأول مرة منطق القوة في العلاقات الدولية، بدلاً من التعاون.
كان صوت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الأعلى والأكثر نفوراً، بإعلانه التمسك بمنطق القوة، وإعلاء المصلحة القومية على ما عداها، والدفاع عن نهج «أمريكا أولاً»، والتمسك بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية، بحجة «الأمن القومي الأمريكي»، فضلاً عن مواردها الطبيعية. كما وجه انتقادات حادة إلى الدول الأوروبية، وبعض الزعماء الغربيين.
لم تمر مواقف الرئيس الأمريكي ترامب مرور الكرام، فقد حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من «شريعة الغاب»، حيث يحل قانون الأقوى محل الشرعية الدولية، مؤكداً أن أوروبا لن تقبل بإعادة علاقاتها بمنطق «التنمر السياسي»، أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، فأكدت أن أورويا سترد «بصورة موحدة» على أية سياسات حمائية أو إكراه تجاري، في إشارة إلى تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول الأوروبية.
وكان موقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هو الأكثر صراحة، في كشفه عن «الأكاذيب» التي قام عليها النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، وقال: «لم تعد هناك إمكانية للعيش داخل كذبة». أضاف «كنّا نعلم أن النظام الدولي القائم على القواعد زائفة جزئياً، وأن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم منها، حينما يكون ذلك ملائماً، وأن القواعد التجارية كانت تفرض بشكل غير متكافئ». وقال: «كنّا ندرك أن القانون الدولي كان يطبق بصرامة متفاوتة تعتمد على هوية المتهم أو الضحية».
إن مثل هذا الكلام يقال لأول مرة من على منصة دولية، وكأنه بمكانة بيان نعي للنظام الدولي والقانون الدولي. لذلك فإن العالم بات يقف أمام خيارين، إما الرضوخ للقواعد الجديدة التي يحاول ترامب ترسيخها في العلاقات الدولية، على أن تكون الولايات المتحدة هي السيدة المطلقة التي تقرر وفقاً لقوانينها، وإما العمل على إعادة التوازن في العلاقات الدولية من خلال ترميم النظام الدولي الحالي، وإصلاح الأمم المتحدة، باعتبار أن العالم أكبر بكثير من الدول الخمس الكبرى، وإقامة مؤسسات دولية فاعلة قادرة على احتواء الأزمات، والعمل على جعل العالم أكثر عدالة واستقراراً وتوازناً،
وإلا فإن العالم يتجه حتماً نحو مواجهة كبرى لا يعرف أحد مداها، وما إذا كانت ستنتهي بقيام نظام دولي جديد، أو إلى المجهول.
المصدر:الخليج




