رأي

المواجهة تتجدد: أنقرة والرياض رأسا حربة لواشنطن في مواجهة إيران

جمال واكيم – الميادين:

لقد كان لعقد قمة “الناتو” في أنقرة دلالات كثيرة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ تضمنت استرضاءً أوروبياً لترامب وإعلاناً صريحاً لدعمه في سعيه لإعادة السيطرة الأميركية – الغربية على مضيق هرمز

في تطور مفاجئ، قامت القوات الجوية السعودية بقصف مطار صنعاء بذريعة قيام طائرة إيرانية مدنية بالهبوط في المطار في خرق للحصار السعودي المفروض على الأجواء اليمنية منذ عام 2015. هذا التطور جاء بالتوازي مع التصعيد الأميركي في منطقة مضيق هرمز منذ الخميس الماضي ضد إيران، بذريعة استهداف البحرية الإيرانية سفناً لم تمتثل للتعليمات الإيرانية التي تقوم بتنظيم المرور في المضيق بناءً على مذكرة التفاهم الإيرانية- الأميركية.

بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذهب إلى حد الإعلان عن انتهاء المذكرة. لا يمكن فصل هذين التطورين عن بعضهما البعض، كما لا يمكن فصلهما عن قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي عقدت في أنقرة أواخر الأسبوع الماضي، بل يمكن القول إن هذا التصعيد الأميركي- السعودي جاء ترجمة لمقررات قمة “الناتو”.

دور تركي في مواجهة إيران
لقد كان لعقد قمة “الناتو” في أنقرة دلالات كثيرة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ تضمنت استرضاءً أوروبياً لترامب وإعلاناً صريحاً لدعمه في سعيه لإعادة السيطرة الأميركية – الغربية على مضيق هرمز، خلافاً لموقف الأوروبيين السابق بالامتناع عن المشاركة أو تقديم الدعم للأميركيين في الحرب التي يشنونها ضد إيران منذ شباط / فبراير الماضي.

كذلك، فإن عقد القمة في أنقرة كانت له دلالات لجهة إعطاء دور ريادي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط، بعدما سبق وانتزع منها هذا الدور في عام 2013 عقب فشل تنظيم الإخوان المسلمين في الاحتفاظ بالسلطة في مصر، والإطاحة بهم بانتفاضة شعبية توّجت بسيطرة الجيش بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على مقاليد السلطة، وعقب فشلهم في السيطرة على السلطة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول الخليج كبديل عن الأسر الحاكمة فيه.

ومن مؤشرات إغداق دور ريادي على تركيا قبول ترامب بتزويدها بطائرات إف 35 التي كانت قد طلبتها قبل سنوات، بالتوازي مع انتشار أخبار عن بيع أنقرة منظومات إس 400 الروسية، والذي شكل شرطاً أساسياً بالنسبة إلى واشنطن لقبول تزويد أنقرة بطائرات إف 35.

بناء على ذلك، يمكن الاستنتاج بأن الولايات المتحدة التي عوّلت على “إسرائيل” في السنوات الثلاث الماضية في إحداث التغيير الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط لضمان سيطرتها عليه، وجدت أن “تل أبيب” كانت قاصرة عن تحقيق الأهداف المرسومة، خصوصاً لجهة ضرب إيران واحتوائها وضرب حلفائها في منطقة الشرق الأدنى بما يضمن عدم وصول روسيا والصين إلى هذه المنطقة ومنها إلى شرق المتوسط.

بناءً على هذا الفشل، وجدت واشنطن أنه عليها الاستعانة بأنقرة. ووفقاً للتقديرات، فإن من شأن تركيا أن تلعب دوراً محورياً في سوريا ولبنان بالتعاون مع المملكة العربية السعودية بما يؤدي إلى إغلاق البلدين أمام أي “نفوذ” إيراني عبر حلفائها في المقاومة اللبنانية، ويسهم في خنق حركات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.

ومن المفترض لهذا الدور التركي أن يكون مكملاً لدور أنقرة في منطقة جنوب القوقاز إذ أسهم التدخل الأميركي في نقل أرمينيا من موقع الحليف لروسيا وإيران إلى موقع التابع للولايات المتحدة وتركيا، في ظل حكم رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان الذي ضحى بإقليم ارتساخ وبأراض أرمينية أخرى ليتيح المجال أمام تركيا للتواصل مع أذربيجان والانطلاق منها إلى تركمانستان على الضفة الشرقية من بحر قزوين بما يتيح لها التغلغل في منطقة وسط آسيا التي تع الخاصرة الرخوة بالنسبة إلى لأمن القومي الروسي والإيراني والصيني.

الحلقة السورية – اللبنانية
بناءً على ما تقدم، فإن تركيا وجدت في قمة “الناتو” دعماً لدور مهيمن لها في شمال سوريا ولبنان، والذي يجب أن يحصل بالوكالة عبر ربيبها أحمد الشرع الذي تولى السلطة في سوريا عقب انهيار الدولة السورية برئاسة الدكتور بشار الأسد بنتيجة “تواطؤ” إسرائيلي – تركي – أميركي. من هنا، كان لافتاً أن الشرع توجه إلى أنقرة للمشاركة في قمة “الناتو” ما يحمل دلالات كبيرة، خصوصاً أنه سبق للرئيس ترامب أن أعلن أن الرئيس السوري الموقت ارتضى لعب دور في لبنان لنزع سلاح حزب الله من دون أن يفصح عن الطريقة التي سيحصل فيها ذلك.

وقد فهم قبول إردوغان بمشاركة الشرع في قمة “الناتو” على أنه مباركة لدور سوري في لبنان، بعدما كانت تركيا تعارض هذا التدخل. من هنا، فإنه في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن دور تركي في لبنان وسوريا، فإن استقبال الشرع في قمة “الناتو” في أنقرة قد يكون دلالة على مباركة تركية لدور سوري في لبنان.

في هذا الإطار، برزت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق قبل توجهه إلى أنقرة. وحملت هذه الزيارة دلالة لجهة مباركة فرنسية لدور سوري في لبنان في حال اعترف بحصة من نفوذ لباريس في سوريا ولبنان معاً، وهو ما تنزع إليه فرنسا منذ القرن السابع عشر. كذلك برزت زيارة وزير خارجية الشرع أبو عائشة الشيباني إلى لبنان وتصميمه على عقد لقاء جماهيري في طرابلس، بما يحمل دلالة على نية سوريا الجديدة انتزاع حصة نفوذ، خصوصاً في شمال لبنان برعاية تركية.

واللافت أيضاً هو زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى تركيا، إضافة إلى الأنباء عن نية الرئيس اللبناني جوزاف عون للتوجه إلى أنقرة بعد زيارته المرتقبة لواشنطن. كل هذا يصب في إطار ما سبق وأعلنه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن ارتباط بيروت ودمشق بالأمن القومي التركي، وتشكيل الخط الواصل بينهما للحد الجنوبي للأمن القومي التركي. هذا يأتي أيضاً في إطار الاتفاق الضمني بين “تل أبيب” وأنقرة لجهة تقاسم النفوذ في سوريا؛ بحيث يكون شمال ووسط سوريا تحت الهيمنة التركية، وتكون المنطقة الواقعة إلى الجنوب من دمشق تحت الهيمنة الإسرائيلية. وإذا أخذنا بالاعتبار مساعي الكيان الصهيوني للسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان وتجريد حزب الله من السلاح، فإن الصورة تكتمل لجهة مد النفوذ الإسرائيلي على كامل المنطقة الواقعة إلى الجنوب من خط بيروت دمشق.

الدور السعودي
في ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فهي حتى صباح اليوم كانت تحاول وضع سقوف مشاركتها في الحرب على إيران وحلفائها. بل هي كانت تتهيب من دور إسرائيلي ريادي في المنطقة بالشراكة مع الإمارات العربية المتحدة. إلا أن قصور “تل أبيب” عن احتواء إيران جعل الولايات المتحدة تسعى إلى إشراك تركيا في المواجهة مع إيران مع الاعتراف لها بحصة نفوذ وازنة، إضافة إلى إشراك المملكة العربية السعودية في هذه الجهود، لإدراك واشنطن أنه لن يكون بإمكان تركيا وحدها أن تواجه طهران. وفي إطار توزيع الأدوار، فإنه لن يكون مطلوباً أميركياً من الرياض الدخول بمواجهة مباشرة مع طهران، كما حصل في حالة الإمارات العربية المتحدة، لكن سيكون على السعوديين تولي حليف لإيران يهدد حركة المرور الأميركية – الإسرائيلية في معبر لا يقل أهمية عن مضيق هرمز وهو باب المندب.

بناء على ذلك، وفيما يفترض أن تتولى “إسرائيل”، وتركيا عبر سوريا أمر حزب الله في لبنان، وفيما تتولى الولايات المتحدة المواجهة المباشرة مع إيران في منطقة مضيق هرمز، فإن الخطة الأميركية تقوم على توكيل الرياض بتولي أمر أنصار الله في اليمن. بناء على ذلك، يمكن فهم الدوافع التي حدت بالقوات السعودية إلى قصف مطار صنعاء بعدما سبق لها وحركت جماعاتها لمشاغلة الحوثيين في البر منذ عدة أسابيع.

الرد المرتقب للمحور
في مقابل هذا المخطط الأميركي، نجد أن إيران تمكنت من منع واشنطن من فرض سيطرتها على مضيق هرمز. ووفقاً للتقارير الغربية، فإنه على الرغم من المحاولات الأميركية الحثيثة، فإن القوات الإيرانية لا تزال تحكم السيطرة على مضيق هرمز وتمنع أي سفينة لا تمتثل لتعليماتها من المرور في المضيق. وقد أدت الأعمال الحربية إلى تقليص كبير في عدد ناقلات النفط والسفن الأخرى. أما في ما يتعلق باليمن، فقد تفاجأ الجميع بحجم الرد اليمني إذ تم استهداف جميع المطارات السعودية وإخراج الكثير منها من الخدمة في رد أولي على استهداف مطار صنعاء. أما الورقة الأخرى التي يتوقع أن يلعبها أنصار الله فهي إغلاق مضيق باب المندب بما سيؤدي إلى قطع 32 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية ويدفع سعر النفط إلى الارتفاع بشكل كبير بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي في أوروبا والولايات المتحدة. أما في ما يتعلق بلبنان، فإنه على الرغم من محاولات فرض الحصار على حزب الله سياسياً وميدانياً، فإن المقاومة لا تزال تفرض نفسها على الميدان، ويبقى أن نترقب التطورات في الأيام والأسابيع المقبلة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى