المغرب حجر زاوية في أمن وازدهار القارة الأوروبية

كتب علي قاسم في صحيفة العرب.
العرض المغربي جريء وواضح ويمثل قراءة ذكية لاحتياجات أوروبا في لحظة ضعفها الجيوسياسي.
بعد عقود من الحديث المُكرّر عن الجوار والشراكة والحوار، وضع المغرب أخيراً على الطاولة الأوروبية في بروكسل ورقة جديدة، بلغة مختلفة، تتطلب قراءةً مختلفة. لم يعد الخطاب يدور حول تيسير التأشيرات أو زيادة الحصص التجارية، بل عن بناء “تحالف استراتيجي غير مسبوق”. هذه ليست مجرد مفردات دبلوماسية مُحسّنة، بل إعلان صريح عن نهاية حقبة: حقبة كان فيها المغرب شريكاً ضمن سياسة الجوار الأوروبية، مطالباً بالاعتراف بوضعه المتقدم، ومحاولاً تقليص الفجوة بين الطرفين. اليوم، يطرح المغرب نفسه ليس كطرف في علاقة شمال-جنوب غير متكافئة، بل كحجر زاوية في أمن وازدهار القارة الأوروبية ذاتها. هذا التحول في الخطاب، من منطق “الجار” الذي يحتاج إلى دعم، إلى منطق “الحليف” الذي يقدم دعماً، يطرح سؤالاً محورياً على صنّاع القرار في بروكسل: هل هم أمام إعادة تعريف جذرية للشراكة، أم مجرد إعادة تغليف لعلاقة قديمة بوعود جديدة؟
لطالما مثّلت العلاقات المغربية-الأوروبية حالة استثنائية في فوضى الجنوب المتوسطي. منذ أكثر من نصف قرن، ظلّ المغرب شريكاً ثابتاً، متفاعلاً مع مسارات برشلونة والجوار والميثاق الأخضر، ومحافظاً على خط اتصال مفتوح حتى في أحلك الأزمات الإقليمية. لم تكن هذه العلاقة قائمة على المساومة الظرفية فحسب، بل على إدراك متبادل للمصلحة المشتركة: استقرار المغرب يعني استقراراً لجنوب أوروبا، وازدهاره يفتح بوابة نحو أفريقيا. لكن هذه العلاقة، رغم عمقها، بقيت محكومة بإطار “الشراكة” الذي يحمل في طياته تمايزاً بين مركز أوروبي وطرف متوسطي. كانت أوروبا تنظر إلى جنوب المتوسط كمصدر للتحديات – الهجرة غير النظامية، والتطرف، وعدم الاستقرار – تحتاج إلى “إدارته”. فيما كان المغرب يسعى للحصول على مكاسب ملموسة في التجارة والتنمية مقابل تعاونه في تلك الملفات. لقد نجحت هذه الصيغة في الحفاظ على استقرار نسبي، لكنها فشلت في خلق اندماج حقيقي أو رؤية مشتركة للمستقبل.
هل ستتجاوز أوروبا والمغرب عتبة الجوار التقليدية نحو تحالف حقيقي؟ المغرب مدّ يده بمشروع واضح؛ على أوروبا أن تقرر إذا كانت تريد مصافحة حليف أو مجرد مواصلة الحديث مع جار
ما يقدمه وزير الخارجية ناصر بوريطة اليوم هو محاولة لكسر هذا القالب التاريخي. جوهر العرض الاستراتيجي الجديد لا يدور حول ما يمكن أن تمنحه بروكسل للرباط، بل حول ما يمكن أن يقدمه المغرب للاتحاد الأوروبي ككل. العناصر الخمسة التي يرتكز عليها – الاستقرار، والتكامل، والتنافسية، والنمو، والربط – ليست شعارات إنشائية، بل تمثل مقاربة شمولية. ففكرة “الاستقرار” لم تعد تقتصر على التعاون الأمني، بل تشمل خلق حزام اقتصادي مزدهر جنوب المتوسط يزيل جذور الهجرة القسرية. و”الربط” لا يعني فقط كابلات البيانات والطاقة، بل تحويل المغرب إلى محور لوجيستي يربط أوروبا بأفريقيا في سلاسل إمداد جديدة متينة، بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية في قناة السويس أو مضيق هرمز. المغرب لا يطلب امتيازات خاصة هنا؛ إنه يقدم نفسه كجسر طبيعي وضروري، يملك من الاستقرار السياسي والرؤية الاقتصادية ما يجعله الشريك الأمثل لعبور أوروبا إلى عمق أفريقيا، وأيضاً لعبور أفريقيا إلى سوق الاتحاد.
هذا التحول في الطرح ليس منبتاً عن السياق الجيوسياسي الأوسع. ففي وقت تشهد فيه أوروبا حرباً على حدودها الشرقية وتوترات تجارية مع العملاقين الأمريكي والصيني، وتدرك هشاشة سلاسل التوريد العالمية، يظهر المغرب كفضاء من الاستقرار النسبي والفرص الاقتصادية على الجانب الجنوبي. لم يعد الأمر يتعلق بالحد من تدفق القوارب عبر مضيق جبل طارق فحسب، بل بتأمين إمدادات الطاقة الخضراء من مشاريع الطاقة الشمسية الهائلة في الصحراء، وتوطين صناعات حساسة مثل الهيدروجين الأخضر أو مكونات السيارات الكهربائية في منطقة آمنة وقريبة. المغرب لم يعد مجرد جار جغرافي؛ إنه امتداد طبيعي للفضاء الاستراتيجي الأوروبي، وسد منيع ضد تمدد النفوذ الروسي أو الصيني المضطرب في أفريقيا. وهذا ما يفسر التركيز في العرض المغربي على “الثقة المسبقة” و”الحوار الاستراتيجي”، كضامن لاستمرارية التعاون بعيداً عن تقلبات الحكومات أو الأزمات الظرفية.
لكن الطريق نحو هذا التحالف الجديد ليست مفروشة بالورود. فالتحديات الجوهرية باقية، وأبرزها هو تناقض المصالح في ملفات حساسة. ففيما يريد المغرب شراكة اقتصادية شاملة تخفف القيود عن صادراته الزراعية، ترفض دول أوروبية جنوبية مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان أي تفريط في حماية منتجيها. وملف الهجرة، رغم كل الخطابات عن الشراكة، يبقى ساحة لمساومة صعبة، حيث يطالب المغرب باعتراف أوروبي أكبر بدوره كلاعب إقليمي في إدارة الهجرة، وبحزم دعم مالي وسياسي أكثر وضوحاً. كما أن أي تحالف استراتيجي حقيقي يتطلب مؤسسات مشتركة وقابلية للتوقع، وهو ما لم تستطع أوروبا تقديمه حتى الآن بسبب انقساماتها الداخلية وتشريعاتها البطيئة. ولكي ينتقل هذا التحالف من أروقة الدبلوماسية إلى أرض الواقع، لا بد من إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والمستثمرين في صياغة مشاريعه، ليكون حلف مصالح حقيقية وليس مجرد بروتوكول حكومي.
المغرب لا يطلب امتيازات خاصة بل يقدم نفسه كجسر طبيعي يملك من الاستقرار السياسي والرؤية الاقتصادية ما يجعله الشريك الأمثل لعبور أوروبا إلى عمق أفريقيا وعبور أفريقيا إلى سوق الاتحاد
وهنا تبرز فرصة تاريخية فريدة يمكن أن تكون المحفز الحاسم: تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. هذا الحدث ليس مجرد بطولة رياضية، إنه مشروع جيوسياسي واقتصادي ضخم. فتحضيراته ستتطلب مستوى غير مسبوق من التنسيق في البنية التحتية للنقل والاتصالات، والأمن السيبراني، والطاقة، والخدمات اللوجستية. يمكن لهذا المشروع أن يكون المختبر العملي للتحالف الاستراتيجي المطروح، حيث تتحول الخطط الورقية إلى طرق سكك حديدية وكابلات ضوئية وأنظمة ذكية تربط ضفتي المتوسط. أفق 2030 يمكن أن يكون الموعد الذي تثبت فيه الشراكة قدرتها على تجاوز منطق الجوار إلى منطق المصير المشترك، مخلّفةً وراءها إرثاً مادياً وبشرياً يربط المنطقة لعقود قادمة.
في النهاية، يعود السؤال الذي بدأنا به: هل ستتجاوز أوروبا والمغرب معاً عتبة الجوار التقليدية نحو تحالف حقيقي؟ إن العرض المغربي جريء وواضح ويمثل قراءة ذكية لاحتياجات أوروبا في لحظة ضعفها الجيوسياسي. لكن نجاحه لا يعتمد على حسن النوايا، بل على قدرة بروكسل على التغلب على انقساماتها الداخلية والنظر إلى جنوب المتوسط ليس كمصدر للمخاطر، بل كساحة للفرص. كما يعتمد على استعداد النخب المغربية لتحويل هذا الخطاب الدبلوماسي الراقي إلى إصلاحات مؤسساتية واقتصادية عميقة تزيد من جاذبية المغرب كشريك لا غنى عنه. النجاح سيعني بناء فضاء مشترك قادر على الصمود في وجه العواصف الجيوسياسية وخلق نموذج للتعاون عبر المتوسط. أما الفشل، فسيعيد العلاقة إلى دوامة المساومات الضيقة والمحدودة، في وقت لم يعد فيه العالم يسمح لأي من الأطراف برفاهية التخلي عن شركائه الطبيعيين. المغرب مدّ يده بمشروع واضح؛ على أوروبا الآن أن تقرر إذا كانت تريد مصافحة حليف، أو مجرد مواصلة الحديث مع جار.




