رأي

المشهد الإيراني.. أزمات الداخل وصراع النفوذ

كتب د. خالد قنديل في صحيفة الأهرام.

في مشهدٍ سياسيٍّ شديد الحساسية، تمر إيران في المرحلة الراهنة بواحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الاضطرابات الداخلية، لتجد الدولة نفسها مجددًا في قلب اضطرابات اجتماعيّة وسياسيّة حادة، فما إن بدأ أواخر ديسمبر من العام المنقضي ووصولًا إلى الأيام الأولى من العام الجديد وحتى هذه اللحظة، تحولت سلسلة من الضغوط والمظالم إلى احتجاجات جماهيرية كبرى تمتد عبر المحافظات لتعم أنحاء البلاد، بمشاركة شرائح اجتماعية متباينة ومتنوعة. 

فهل تعكس الصورة الحالية أن منبع هذه الاحتجاجات داخلي بحت، أم أن هناك تحريضًا منذ البداية أساسه محور الشر الأبرز في العالم متجسدًا في الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان المحتل ذراع واشنطن الخبيث في المنطقة؟

يشير الواقع الذي يستند إلى تجربة اقتصادية مريرة تداخلت فيها عوامل عدة، نحو النيران المشتعلة تحت الرماد جراء ارتفاع التضخم إلى ما يزيد على أربعين بالمئة، وتدني الريال الإيراني إلى مستويات قياسية، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، الأمر الذي قاد إلى استياء شعبيٍّ واسع النطاق من إدارة الحكومة للاقتصاد، خرج الإيرانيون إلى شوارع السوق الكبير في طهران ومدن أخرى، محتجين على الأزمات الاقتصادية الشديدة، وبعد أن كانت الاحتجاجات مقصورة على المناطق التجارية، سرعان ما امتدت إلى أغلب أنحاء الجمهورية الإيرانية، لينضم لها الطلاب والتجار والعمال وشرائح أخرى، فما كان من الحكومة سوى أن اتجهت إلى قطع الإنترنت وشبكات الهاتف، للحيلولة دون تنظيم وتنسيق التظاهرات اليومية، مع اللجوء إلى إجراءات قمعية متزايدة تضمنت اعتقالات جماعية واستخدام القوة في التعامل مع المتظاهرين، وهو ما أسهم في تحول مسار المطالبات والنداءات وهتافات التظاهر من ملمح الحراك الشعبي لإصلاح الاقتصاد، بضبط الأسعار وإتاحة فرص العمل ومحاربة الفساد، وتحسين الأجور، إلى منحى سياسي، فيما يمكن وصفه بتسييس الغضب، وتحميل القيادة السياسية المسئولية الكاملة عن التردي، إذ ردد المتظاهرون خلال عدد من الاحتجاجات، شعارات مناهضة لآية الله علي خامنئي المرشد الأعلى، معربين عن دعمهم لشخصيات منفية مثل رضا بهلوي، نجل آخر ملوك إيران، الذي يقيم في الولايات المتحدة، وربما يسعى إلى فرض نفسه كبديل للنظام الحالي، وترسيخ مكانته كزعيم فعلي.

وهنا يمكن الالتفات إلى أن هذه التطورات قد جاءت بالتزامن مع تحذير رسمي بالتدخل سبقته تهديدات واجهتها الحكومة من خصوم إيران في الخارج، ولتجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة عسيرة طرفاها الاستمرار في خطاب أمني يعزي حالة الهياج الشعبي والاحتجاج إلى “التحريض الخارجي”، في خطابٍ أمنيٍّ ربما يحقق نجاحًا مؤقتًا ومسكنات لا تعالج الأزمات، والطرف الآخر الاعتراف بعمق الأزمة الاقتصادية، مع ملاحظة مهمة للغاية تتعلق بارتباطها بالعقوبات المفروضة على الدولة من الخارج. 

ووفق هذا المشهد المتداخل، فإن السياق الإقليمي يفرض بوضوح عدم فصل موقف الكيان المحتل عن تلك الاحتجاجات، خصوصًا بعد أن دعا الموساد المتظاهرين في إيران الأربعاء الماضي إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي، وقال في بيان بالفارسية عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”: “اخرجوا إلى الشوارع معًا، لقد حان الوقت، نحن معكم”، هذه الرسالة والبيان الذي جاء بعد محادثات تمت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبالطبع دخل ترامب على الخط ووجه تهديدًا إلى الدولة الإيرانية، بشن المزيد من الضربات عليها في حال سقوط مزيد من القتلى في صفوف المتظاهرين، وهو الذي قد هدد من قبل بالتهديد ذاته إذا أعادت إيران بناء برامجها النووية أو الصاروخية الباليستية.

ينظر الاحتلال إلى إيران طول الوقت باعتبارها خصمه الإستراتيجي الأول بالمنطقة، ومن ثم فإن أي قلاقل واضطرابات داخلية من شأنها أن تسهم في تحركات إضعاف الدولة، والحد من قدرتها على لعب أي دور إقليمي سواء في سوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن، ولقد تابع العالم أجمع من قبل الهجوم غير المسبوق الذي شنته تل أبيب على إيران، والذي استهدفت فيه مواقع عسكرية ونووية ولم تسلم منه بعض المناطق السكنية، في حربٍ استمرت لاثني عشر يومًا، لتأتي خطوة تأجيج الاحتجاج والحراك الشعبي كمكسب إستراتيجي يكشف عن حجم رهان الاحتلال على تفكك الداخل الإيراني. 

أما واشنطن التي تخلع أقنعة حقوق الإنسان والقوة الناعمة وتلجأ بوضوح حيال أزماتها المتتالية إلى البلطجة غير المقنّعة عبر مقاول الأنفار الذي جاء لهذه المهمة، فتتعامل مع المشهد الإيراني برؤية مزدوجة، إذ تعلن من جهة، دعمها لما تصفه بـ”حقوق الشعب الإيراني”، وتحذر من استخدام العنف ضد المحتجين. ومن جهة أخرى، تستخدم هذه اللغة كأداة ضغط سياسي في سياق صراعها الممتد مع طهران، في تهديد قد لا يعني بالضرورة استعداد “أمريكا ترامب” للتدخل المباشر، لكنه يُعزز من حالة العزلة الدولية.
التأجيج الإعلامي والسياسي الخارجي للاحتجاجات في إيران يمنح القيادة الإيرانية ذريعة لربط الحراك الشعبي بأجندات خارجية وتأكيد خطاب الحصار والمؤامرة، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاع من المجتمع الإيراني الذي يرى في العقوبات السبب الأكبر في معاناته، غير أن هذه الاحتجاجات، حتى وإن تم احتواؤها على المستوى الأمني فسوف تترك آثارًا عميقة وسلبية على صورة الدولة وعلى تماسك العقد الاجتماعي، لأن الدولة التي قدمت نفسها على مدار عقود بوصفها نموذجًا للصمود والاستقلال، تواجه اليوم شعبًا يتساءل: إلى متى يستمر دفع هذا الثمن؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى