خاصأبرزرأي

المسيّرات الجديدة تحوّل نوعي في الحرب مع إسرائيل

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

يوماً بعد يوم، يتكرّس مشهد التصعيد في جنوب لبنان كواقع مفتوح على كل الاحتمالات، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية واتساع رقعتها الجغرافية لتشمل مناطق شمالي الليطاني، في مقابل انتقال المقاومة إلى مستوى أكثر تطوراً في استخدام الطائرات المسيّرة، بما يعكس تحوّلاً نوعياً في قواعد الاشتباك غير المعلنة بين الطرفين.

واللافت في هذا التصعيد ليس فقط كثافة الضربات، بل طبيعتها أيضاً. إذ لم تعد الغارات الإسرائيلية محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل باتت تطال عمقاً أكبر، ما يشي بمحاولة فرض معادلة ردع جديدة تقوم على توسيع دائرة الضغط الميداني، واستهداف بنى تقول إسرائيل إنها تشكّل جزءاً من منظومة الدعم اللوجستي أو العملياتي للمقاومة. هذا التمدد في بنك الأهداف يعكس قناعة إسرائيلية بأن المعركة لم تعد تكتيكية محدودة، بل جزء من صراع أوسع يتداخل فيه الأمني بالاستراتيجي. في المقابل، تبدو المقاومة وكأنها تعيد صياغة أدواتها القتالية بما يتلاءم مع هذا التوسّع، فتكثيف استخدام المسيّرات، خصوصاً تلك التي يصعب رصدها أو اعتراضها، يحمل دلالات واضحة على سعيها إلى تجاوز التفوق الجوي الإسرائيلي عبر وسائل منخفضة الكلفة وعالية الفعالية. هذه المسيّرات، التي نجحت في البقاء خارج نطاق الإسقاط في عدد من العمليات، تشكّل تحدياً متزايداً للمنظومات الدفاعية الإسرائيلية، وتفتح الباب أمام نمط جديد من الاستنزاف المتبادل.

لا شك أن حالة التأهب التي أعلنها الجيش الإسرائيلي أمس تعكس بدورها حجم القلق من هذا التحوّل. فرفع الجهوزية لا يرتبط فقط بالخوف من هجمات وشيكة، بل أيضاً بمحاولة احتواء عنصر المفاجأة الذي باتت المسيّرات تمثّله، وهذا يشير إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع المرحلة الحالية كمرحلة حساسة قد تحمل مفاجآت ميدانية غير محسوبة.

لكن خلف هذا المشهد العسكري، تتراكم أبعاد سياسية لا تقل خطورة، فالتصعيد المتدرّج، من دون انزلاق إلى حرب واسعة حتى الآن، يوحي بوجود توازن دقيق يحكم سلوك الطرفين: رغبة في الضغط وتسجيل النقاط، مقابل حرص على عدم تجاوز الخطوط التي قد تفضي إلى انفجار كبير. غير أن هذا التوازن يبقى هشّاً، وقابلاً للانهيار في أي لحظة نتيجة خطأ في الحسابات أو تطوّر ميداني غير متوقّع.

ومع اتساع رقعة الاستهداف التي قد تمتد مجدداً إلى بيروت، بعد تهديد إسرائيل باستهداف مسؤولي حزب الله في أي مكان، ولو كان ذلك في بيروت، تتزايد المخاوف من نزوح جديد، ومن تداعيات إنسانية واقتصادية تضيف عبئاً إضافياً على واقع لبناني مأزوم أصلاً. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، يبدو الجنوب، ومعه الضاحية الجنوبية، كأنهما يعيشان تحت وطأة انتظار ثقيل لما قد تحمله الأيام المقبلة.

وأمام هذا المشهد غير المريح، يعيش الجنوب مرحلة دقيقة عنوانها الأساسي التصعيد المتدرّج، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى