المركزية الأفريقية ليست مشكلة مصر وحدها

العنود المهيري – النهار:
ربما ليست سوى مسألة وقت قبل أن يتجرأ القوم، مدفوعون بالجهل المركب والوهم والشعور الحاد بالنقص، ويقفوا أمام مدافن حضارة دلمون في البحرين، أو قصر البتراء في الأردن، ويعلنوا “هذه أيضاً لنا”.
للإجابة على عنوان هذه المقالة، عدت إلى السنغالي شيخ أنتا ديوب، والذي يُقدّم كأحد أعظم المؤرخين والأنثروبولجيين الأفارقة المعاصرين، وقرأت كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان “الأصول الزنجية للحضارة المصرية”، والذي يُنظر إليه كمرجع بين متبني نظرية المركزية الإفريقية، أو الـ”آفروسنتريزم”، منذ نشره في 1954.
يستشهد ديوب بالتوراة، حيث “لعن” نبي الله نوح ابنه حام فأصاب نسله “بلعنة” البشرة السوداء. وأبناء حام هم مصرايم الذي سكن مصر، وكوش الذي سكن الحبشة، وكنعان الذي سكن بلاد الشام وفينيقيا.
كل هؤلاء كانوا سوداً، يزعم ديوب، وأقاموا حضارات امتدت لآلاف السنوات فيما يصفها بـ”البلاد الزنجية”. كما “يفتي” المؤرخ بأن السبئيين وقوم عاد وبقية الشعوب التي سكنت شبه الجزيرة العربية متفرعة أصلا من كوش، فما من عرب بائدة ولا عاربة ولا مستعربة؛ كلنا زنوج! وما العرب الحاليين عند ديوب سوى نتاج تزاوج الزنوج “بالبيض المحتلين” في الألف الثاني قبل الميلاد.
أما أبناء العمومة العبرانيين، فكانوا نتاج تصاهر الكنعانيين السود، أو “الزنوج المتحضرين” -كما يسميهم- مع البيض “عديمي الثقافة”. وطالما أن فينيقيا الكنعانية كانت زنجية، فمن البديهي أن يشير ديوب إلى الجالية الفينيقية المهاجرة إلى قرطاج بـ”الزنجية”.
والرجل لا يبقي ولا يذر، فينوّه بأن أقدم ملوك حضارة عيلام، والتي كانت ضمن إقليم عربستان المحتل حالياً من إيران، كانوا زنوجاً. والكلدانيون في العراق كانوا بالمثل “مجرد طائفة من الكهنة الفلكيين المصريين، أي زنوجاً”.
ووصف “البيض” بـ”عديمي الثقافة”، والسود بـ”المتحضرين” في الفقرة السابقة لم يكن عرضياً، فديوب يقصر الحضارة والعلم والرقي والتمدن فعلياً على الزنوج، وحيثما وُجدت الإنجازات والازدهار لا يرى إلا سواد البشرة المزعوم. ففي حالة مصر -مثلاً- ينفي تماماً أن تكون أحد الشعوب “البيضاء” الوافدة عليها، كالفرس أو الآشوريين أو الليبيين أو الهكسوس، قد طورت شيئا في الرياضيات أو الفلسفة أو الفيزياء أو الفلك.
وفي الكتاب طوام أفظع لمن أراد الضحك، مثل اتفاق المهرج ديوب مع النازيين على أن الفرنسيين والطليان والإغريق من أصول زنجية. أما كون الإسبان “أشد الأوروبيين اسمراراً”، فلا علاقة له بـ”اتصالهم مؤخراً بالعرب”، بل هو بسبب الاستيطان الفينيقي لإسبانيا، والفينيقيون -أحفظتموها بعد؟- كانوا زنوجاً.
أين الخطر؟
دُحضت نظريات ديوب مرات عديدة على مدار 72 عاماً، ولكن طالما أن المؤمنين بـ”الآفروسنتريزم” لا زالوا قادرين على الاقتناع بكتاب بهذا الغباء والتحيز، ولا زالوا يتداولون محتوياته ويروجون لها، فالمركزية الإفريقية قد لا تظل معضلة يواجهها المصريون وحدهم في الأفلام وبرامج “البودكاست” والكتب والأغاني، وأخيراً من خلال وجود مرشدين سياحيين يبيعون هذه الأكاذيب على السيّاح.
ربما ليست سوى مسألة وقت قبل أن يتجرأ القوم، مدفوعون بالجهل المركب والوهم والشعور الحاد بالنقص، ويقفوا أمام مدافن حضارة دلمون في البحرين، أو قصر البتراء في الأردن، ويعلنوا “هذه أيضاً لنا”.




