رأي

العملاق الأميركي والقزم الصيني

عماد جودية – النهار:

عاد ترامب في طائرته الرئاسية حاملا والوفد المرافق العقود المالية الكبيرة.

لم نخطئ عندما كتبنا في 5/3/2024 في “النهار” بعنوان “غزة تسقط الصين في امتحان الكرامة الانسانية”، ولا عندما كتبنا في 7/11/2024 بعنوان “الصين وروسيا نمران من ورق”، و”العالم بين المطرقة الأميركية والهزالة الصينية الروسية”. واليوم كان يجب أن يكون عنوان مقالنا “العالم بين القزمين الصيني والروسي والعملاق الأميركي”، لكننا حذفنا اسم روسيا لكون المضمون يتحدث عن زيارة الرئيس دونالد ترامب لبكين قبل نحو أسبوعين.

المضحك المبكي أن من تابع مجريات الزيارة منذ بدايتها حتى نهايتها خرج بانطباع واحد هو أن المسؤولين الصينيين، بدءا بمستقبليه أمام درج طائرته الرئاسية، مرورا بالذين التقاهم خلال اجتماعات العمل، وانتهاء بالمواطنين العاديين الذين اصطفوا على جانبي الطرق لتحيته، تعاملوا معه كأنه إله سقط عليهم من السماء، حتى إن رئيسهم، بشخصيته الجامدة وابتساماته المصطنعة القليلة، بدا أمام ترامب كأنه في حضرة حدث جلل يخشى أن يحيد فيه عن جديته مخافة أن توبخه لاحقا قيادات حزبه الحاكم.

وما ساهم أكثر في تبيان هزالة الشخصية الصينية أمام “الكاوبوي” الأميركي، هو ما ظهر خلال العشاء الرسمي على شرف ضيوف العمّ سام، كيف انتقل أصحاب الشركات الصينية العملاقة التي تقدر قيمة كل منها بمئات مليارات الدولارات، في اتجاه طاولة إيلون ماسك، يتنافسون لالتقاط صور “سلفي” معه، وهو غير مبال بهم، كما ظهر أثناء التقاط صاحب شركة “شاومي” العملاقة من هاتفه الخاص صورة معه. وزاد ازدراء ماسك للصينيين وتقليله من رصانة القمة اصطحابه ابنه الصغير معه، ولم يجرؤ أحد من المسؤولين الصينيين على الاعتراض على هذا التصرف، حتى ترامب نفسه المعروف بوقاحته وصلفه وافقه على اصطحابه، فقط لازدراء الصينيين أكثر.

إنها قوة المال، عندما تقدر مجلة Forbes ثروته وحده بنحو 839 مليار دولار نهاية العام الماضي. وتظهر هزالة القزم الصيني أمام العملاق الأميركي من خلال الاتفاقات التي أبرمها مع الجانب الصيني، وهي:

  • صفقة لشراء 300 طائرة ركاب طراز “بوينغ ماكس 737” و100 طائرة “بوينغ 787” مع عقود صيانة وتدريب، وقدّرت الصفقة بـ45 مليار دولار.
  • عقد مع Space X لتوفير خدمه الإنترنت السريع بواسطة Starlink (إيلون ماسك) يغطي كامل الأراضي الصينية.
  • بناء ثاني أكبر مركز لشركة “آبل” في العالم، في الصين، بعد سيليكون فالي في كاليفورنيا، يتضمن التصنيع والتدريب والاختراعات والذكاء الاصطناعي.
  • بناء مصنع لشركة “جنرال موتورز” لإنتاج الشاحنات الكبيرة ومركبات البناء.
  • عقود لاستيراد اللحوم من أميركا بقيمة 1,8 مليار دولار.
  • عقود لشراء النفط الأميركي تغطي النقص في حاجات الصين.
  • خطوط ائتمانية من بنوك أميركية لشركات صينية بضمان البنك المركزي الصيني.

عاد ترامب في طائرته الرئاسية حاملا والوفد المرافق العقود المالية الكبيرة، ويأتي من يحدثك عن فاعلية دول “البريكس” ودورها العالمي، وعن قوة اليوان الذي سيحل مكان دولارها، وعن صراع الجبابرة في اقتسام العالم. وفي الحقيقة لا مجال للمقارنة بين العملاق الأميركي والقزم الصيني الذي لا يزال غير قادر على القول للرئيس الاميركي إنك لست قائد العالم ولا أمبراطور الكرة الارضية، ولا يحق لك دعم إسرائيل في إبادتها شعب غزة، ولا التغطية عليها ومنع جلب نتنياهو إلى محكمة العدل الدولية، كما لا يحق لك الاعتداء على سيادة فنزويلا وخطف رئيسها وزوجته، والاستيلاء على نفطها بالقوة. كذلك لا يحق لك ترك حليفتك إسرائيل تدمر لبنان وتتسبب بنزوح مليون و300 ألف نسمة من أبنائه في الجنوب والبقاع والضاحية وبعض أحياء عاصمته، ولا شن حرب على سيادة إيران وقتل قادتها كرمى لعين حليفتك إسرائيل، وأنت من أوجد مشكلة مضيق هرمز لا طهران.

                                                                                                                                                 الرئيس تشي خاطب الرئيس ترامب خلال العشاء الرسمي الذي أقامه على شرفه بقوله: "نستفيد مع أميركا من التعاون ونخسر معا في المواجهة". وهو بكلامه هذا قصد التعاون بينهما لمصلحة المصنع والهاتف والسيارة والنفط والغاز والتكنولوجيا والزراعة، لا التفاهم بينهما على إعطاء دولة بحدود ال67 لشعب الطفلة الفلسطينية هند رجب ابنة السبع سنوات التي مزقت جسدها 367 رصاصة من جنود الاحتلال الإسرائيلي بعد قتلهم عائلتها أمامها داخل سيارتهم على مرأى من العالم عبر شاشات التلفزة الغربية والعربية.

ويخرج من يحدثك عن رهانه على الصين كقوة عظمى في مواجهة أميركا، وهي في الواقع لا تملك حسا إنسانيا ولا أخلاقيا، وكل طموح مسؤوليها وتجارها ورجال أعمالها التقاط صورة “سلفي” لهم مع إيلون ماسك.

                                                                                                                                                 يقول تولستوي: "إذا شعرت بالألم فأنت على قيد الحياة، أما إذا شعرت بألم الآخرين فأنت إنسان". والصين، بادعاء عظمتها كما روسيا، لم تصل بعد إلى مستوى الشعور بألم الآخرين.                                                                       

ويقول جورج برنارد شو: “العالم مكان خطر جدا للعيش فيه، ليس لكثرة الأشرار، يل لصمت الأخيار عما يفعله الأشرار”. فإذا اعتبرنا أنهما من الأخيار، إلى متى تبقى الصين ومعها روسيا صامتتين على الغطرسة الأميركية على الساحة الدولية، وعلى عنصرية النظام الإسرائيلي وممارساته الإجرامية في غزة والضفة والقدس ولبنان وسوريا؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى