رأي

الصراع على باب المندب: هل تسعى إسرائيل إلى ضمان أهميتها لأميركا؟

كتب أنس بن فيصل الحجي في صحيفة إندبندنت عربية.

في ضوء الاعتراف الإسرائيلي الرسمي في الـ 26 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري بـ “دولة أرض الصومال” ككيان مستقل، والذي جعل إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تتخذ هذه الخطوة، يبرز هذا التطور كجزء من الصراع على ممرات الملاحة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، ناهيك عن المنافع التجسسية على التجارة العالمية ودول المنطقة، إلا أن أهم مكسب لإسرائيل من وجودها في باب المندب هو أنها تبقى مهمة للولايات المتحدة وحليفاً فعالاً في ظل التطورات الأخيرة التي تشير إلى تحولات في السياسة الأميركية تجاه دول الخليج وبعيداً من إسرائيل، وبعبارة أخرى فإن إسرائيل تبحث الآن عن طرق للضغط على الولايات المتحدة حتى لا تفطمها الإدارات الأميركية المقبلة، بخاصة في ظل موجة العداء ضمن الجمهوريين وأتباع ترمب التي يقودها المذيع المشهور تكر كارلسون وآخرون. 

تقع أرض الصومال على ساحل خليج عدن، مجاورة لمضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، مما يمنح إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة الرئيسة، موقفاً إستراتيجياً لمراقبة وتأمين الملاحة في هذه المنطقة الحساسة، ونظرياً فإن هذا الاعتراف الذي أثار إدانات دولية واسعة من عواصم العالم، بما في ذلك الصومال والاتحاد الأفريقي، يعزز من نفوذ التحالف الأميركي – الإسرائيلي في مواجهة التهديدات مثل هجمات الحوثيين، ويفتح الباب لتعاون عسكري محتمل، بما في ذلك إقامة قواعد أو مراقبة مشتركة للمضيق، مما يعمق السيطرة على التجارة العالمية كلل وبخاصة تجارة الطاقة، والتي تشمل النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز المسال والفحم، وكل ما يتعلق بمستلزمات مزارع الرياح والطاقة الشمسية التي تصدرها الصين إلى أوروبا ودول أخرى، والتغير الجديد أن إسرائيل تفرض نفسها كحليف إستراتيجي للولايات المتحدة، وربما دول الاتحاد الأوروبي، بخاصة أن موقعها الحالي في فلسطين لا يعد إستراتيجياً مقارنة بالمناطق الأخرى مثل الصومال واليمن، وفي هذا السياق أكرر ما كتبته في السابق عن أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب في هذا الموقع، وأن الأمر أكبر من الحوثيين بكثير، وهذا فعلاً ما نراه اليوم، وقبل أن أعيد ما كتبته سابقاً فلا بد من الإجابة على سؤال تكرر خلال الأيام الأخيرة عما إذا كانت أرض الصومال تحوي احتياطات كبيرة من النفط والغاز، وهو موضوع تفردت فيه منصة الطاقة المتخصصة في تقرير بعنوان “ماذا تعرف عن النفط والغاز في أرض الصومال بعد اعتراف إسرائيل؟”

لقد تحول البحر الأحمر خلال الأعوام الأخيرة إلى أهم ممر تجاري في العالم، بخاصة إذا ركزنا على مصادر الطاقة التقليدية وكل ما يحتاجه الانتقال الطاقي وسياسات التغير المناخي،  وتاريخياً كان عدد البوارج البحرية وحاملات الطائرات المتمركزة في البحر الأحمر وقرب قناة السويس في البحر الأبيض المتوسط ومضيق باب المندب في خليج عدن والمحيط الهندي محدوداً ويعد على أصابع اليد الواحدة، وبعد هجمات الحوثيين زاد عدد البوارج وحاملات الطائرات بصورة كبيرة من دول عدة، إلا أن الوجود الأميركي في البحر الأحمر بحجة حماية الملاحة من الحوثيين زاد بصورة كبيرة، لدرجة أن القوة النارية لهذه البوارج وحاملات الطائرات كافية لحرق دول بكاملها، وهو ما يدل على أن موضوع الحوثيين كان ولا يزال ثانوياً، وتؤيد ذلك التطورات الأخيرة في البحر الأحمر واليمن، ويشير الواقع إلى أن تحويل السفن وحاملات النفط والغاز المسال من البحر الأحمر والدوران حول أفريقيا لا يفيد إلا دولة واحدة فقط وهي الولايات المتحدة، وأنا هنا لا أتكلم عن نظرية مؤامرة ولا أقول إن الحوثيين متآمرين مع الأميركيين، وكل ما أقوله هو أن الأميركيين أدركوا أهمية البحر الأحمر فقرروا السيطرة عليه ولكن احتاجوا لسبب والسبب قدمه الحوثيون، ومع الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” تصبح هذه السيطرة أكثر شمولاً، حيث يمكن لإسرائيل وبدعم أميركي تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، مما يهدد أمن مصر والدول المجاورة، ويعزز الرقابة على الممرات التجارية، أو يمكن لإسرائيل إقناع الأميركيين بأنهم لا يستطيعون التخلي عنها كأهم حليف إستراتيجي في المنطقة.

من يسيطر على البحر الأحمر يسيطر على تجارة الصين والهند واليابان وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ومن يسيطر على البحر الأحمر يسيطر على معظم تجارة دول “بريكس”، وهذا فإن الولايات المتحدة لا تحمي أسواقها فقط وتحقق مكاسب اقتصادية وإستراتيجية من السيطرة على البحر الأحمر، لكنها أيضاً تحمي الدولار الأميركي من منافسة عملات دول أخرى ولعقود مقبلة، وهنا تحاول إسرائيل أن تثبت للأميركيين أنها تحمي المصالح الأميركية في وجه المستجدات الجديدة المتعلقة بالصين تحديداً.

السيطرة على البحر الأحمر جزء من الحروب التجارية بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا وأوروبا من جهة أخرى، وما القيود التجارية والضرائب الجمركية الضخمة على عدد من المنتجات الصينية إلا لإحكام الطوق حول الصين لمنعها من التوسع اقتصادياً وتجارياً، ودليل ذلك أن أثر التحفيز المالي الضخم الذي قدمته الحكومة الصينية أخيراً لإنعاش اقتصاد البلاد كان ضعيفاً، لأن القطاعات التي يمكن أن تحقق النمو الاقتصادي في الصين تعتمد على التصدير، وهي التي تعاني الحروب التجارية والضرائب الجمركية العالية، ولهذا وجهت الصين التحفيز المالي لقطاعات أخرى تحقق نمواً أقل، فإسرائيل تريد أن توضح للأميركيين أنها تحمي المصالح الأميركية وفي الوقت نفسه تستطيع الضغط على الصين لتحقيق مصالحها الخاصة.

تطورات التجارة العالمية في البحر الأحمر

معظم الشحن في البحر الأحمر يمر عبر قناة السويس، ولهذا فإن بياناتها تعطينا بدقة التطورات هناك خلال الأعوام الأخيرة، وقد أسهمت توسعة قناة السويس ووجود مسارين للقناة في زيادة عدد السفن العابرة خلال الفترة الأخيرة، وهو ما ساعد في وصول عائدات القناة لمستويات تاريخية عام 2023، وقد أدى الانتعاش الاقتصادي بعد إنهاء إغلاقات كورونا إلى ازدهار حركة التجارة العالمية ومن ثم نمو حركة السفن في القناة والبحر الأحمر، ولكن كانت هناك تطورات أخرى تتعلق بالأمور التالية:

أولاً، أسهمت سياسات التغير المناخي والانتقال الطاقي وتزايد دور الصين عبر هذه المجالات في زيادة اعتماد الصين على المعادن اللازمة لتصنيع الألواح الشمسية وعنفات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية، ومعظم عمليات معالجة هذه المعادن التي تستخرج من دول فقيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية تعالج في الصين، ونتج من ذلك زيادة حركة التجارة العالمية فيها مما أدى إلى زيادة عمليات الشحن البحري التي يمر معظمها في قناة السويس والبحر الأحمر، ومن ثم باب المندب.

ثانياً، الصين أكبر منتج ومصدر للألواح الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية والسيارات الكهربائية حول العالم، والتصدير لأوروبا تحديداً وجزء كبير للولايات المتحدة يحصل عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس مما أدى إلى زيادة الملاحة في المنطقة.

ثالثاً، مع انتعاش اقتصادات الدول الأوروبية والآسيوية بعد إغلاقات كورونا زاد الطلب على النفط والمنتجات النفطية، فزاد عدد حاملات النفط والمنتجات النفطية في كلا الاتجاهين.

رابعاً، زادت واردات الصين والهند والدول الآسيوية الأخرى من النفط والغاز المسال الأميركيين الذي كان يمر معظمه من قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب، فزادت حركة الملاحة فيهما وواكبتها زيادة كبيرة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز المسال.

خامساً، قبل أحداث أوكرانيا وغزة وضرب الحوثيين السفن كان الكل يعرف عن بناء ثلاث مصاف كبيرة في كل من الكويت والسعودية وعُمان، ويجري توسيع مصفاة في الإمارات، وهذا يعني أن هذه الدول ستصدر بعضاً من منتجات هذه المصافي إلى أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وبخاصة مع إغلاق المصافي الأوروبية وتقليص سعة ما بقي.

سادساً، نتج من الهجوم الروسي على أوكرانيا والعقوبات التي فرضتها مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي تحول النفط الروسي من الأسواق الأوروبية إلى الأسواق الآسيوية، وهو ما ضاعف كمية النفط الروسي عبر قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب بأكثر من ثلاثة أضعاف، ولكن فقدان أوروبا النفط الروسي يعني زيادة صادرات دول الخليج إلى أوروبا والتي تمر أيضاً عبر البحر الأحمر، فزادت أهمية البحر الأحمر نفطياً بصورة كبيرة.

سابعاً، نظراً إلى انخفاض كميات الغاز الروسي المصدرة لأوروبا فقد بدأت بعض الدول مثل قطر زيادة صادراتها من الغاز المسال إلى أوروبا، والتي كانت تمر أيضاً من البحر الأحمر.

ولإثبات ما سبق فإن بيانات هيئة قناة السويس تشير إلى مرور 16833 سفينة عبرها عام 2016، وهذا العدد ارتفع 57 في المئة إلى 26434 عام 2023، وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2019 بلغ عدد ناقلات النفط التي عبرت قناة السويس 3645 ناقلة، وارتفع العدد إلى 6383 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 بزيادة مقدارها 70 في المئة، ولا تشمل هذه الأعداد حاملات النفط السعودية التي تبحر في البحر الأحمر وتنقل النفط إلى ميناء عين السخنة ولا تدخل قناة السويس، والتي زاد عددها أيضاً، ولا تتضمن الحاملات التي تنقل النفط والمنتجات النفطية من الموانئ الغربية إلى آسيا، وتشير بيانات شركة “كبلر”، أكبر شركة متخصصة في متابعة الشحن البحري، إلى زيادة صادرات السعودية من الموانئ الغربية من 1.3 مليون برميل يومياً عام 2019 إلى 1.6 مليون برميل يومياً عام 2022 بزيادة 23 في المئة، ولماذا اخترت 2019 للمقارنة؟ فلأنها قبل إغلاقات كورونا، ولماذا اخترت تسعة أشهر فقط؟ فلتفادي آثار الحرب في غزة حيث بدأ هجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وأكتوبر هو الشهر الـ 10، ولماذا اخترت عام 2022 لمقارنة صادرات السعودية وليس 2023؟ فبسبب خفض إنتاج “أوبك+” والذي نتج منه خفض إنتاج وصادرات السعودية خلال عام 2023 بصورة كبيرة، أما بالنسبة إلى صادرات النفط الروسي المارة في القناة فقد كانت بمتوسط مقداره 130 ألف برميل يومياً عام 2016، ثم ارتفعت إلى نحو 3.5 مليون برميل يومياً عام 2023.

وخلاصة القول أن الموضوع في النهاية هو السيطرة على ممرات التجارة العالمية، والحوثيون قدموا هذا السبب للأميركيين، وبحجة الحوثيين وإيران فإن إسرائيل تريد الآن أن تضغط على دول المنطقة والولايات المتحدة أيضاً، ومع الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” تصبح هذه السيطرة أكثر ترسيخاً، حيث يمكن لإسرائيل الاستفادة من موقع أرض الصومال الإستراتيجي لتعزيز الرقابة على باب المندب وبقائها مهمة للولايات المتحدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى