الحوار ليبي… والتمويل قطري

كتب الحبيب الأسود في صحيفة العرب.
هل تحتاج ليبيا الدولة الثرية إلى مساعدات لصرفها تحت خيمة حوار وطني؟ لماذا قطر بالذات هي التي تسارع إلى تمويل العملية السياسية وهي التي طالما كانت جزءًا من المشكلة لا من الحل؟
جدل حاد يشهده الشارع السياسي الليبي هذه الأيام بعد أن أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا، هانا تيتيه، أن دولة قطر هي التي ستتولى تمويل مشروع دعم الحوار الليبي للمساهمة في تنفيذ خارطة طريق أممية لإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية.
ومن محركات ذلك الجدل أن قطر لم تكن في يوم من الأيام دولة محايدة فيما يتصل بالأزمة الليبية، وهي إلى اليوم مرتبطة بأجندة معينة، ولديها تحالفاتها الميدانية التي ترتبط بها وتدافع عنها، وتندفع بقوة ليكون لها دور مهم في أي اتفاق منتظر للتسوية. كما أن التدخلات الخارجية كانت دائمًا عنصر تفريق بين الليبيين، وتعطيلًا للحل، وتأزيمًا للموقف، وتشكيكًا في القدرة على تجاوز النفق.
حوار الصخيرات في العام 2015 تم العبث بمحتوياته من خلال التدخلات الخارجية، عندما سعت أطراف إقليمية إلى إعادة تدوير قوى الإسلام السياسي المتحالفة آنذاك في منظومة “فجر ليبيا” ضمن ما سمي بالمجلس الأعلى للدولة، الذي أعلن عن تشكيله من فلول المؤتمر الوطني العام المنتخب في العام 2012، ليكون أعلى جهاز استشاري. وقد تحول بمرور الوقت من صفته الاستشارية إلى مؤسسة تشريعية معتمدة من المجتمع الدولي في مواجهة مجلس النواب المنتخب، بما يعني تطويع الاتفاق لخدمة أهداف الأطراف الأجنبية المتداخلة عبر المزيد من تعميق الانقسام وتأبيد الأزمة.
لم تجانب لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الحقيقة عندما اعتبرت هذا التصرف تجاوزًا خطيرًا لمبادئ الحياد والمهنية التي يجب أن تلتزم بها البعثة في تعاملها مع الشأن الليبي
ورغم أن اتفاق الصخيرات كان ضروريًا في وقته، واكتسى أهمية بالغة في تحقيق هدوء ميداني مؤقت بعد مواجهات عنيفة في شرق ووسط البلاد، إلا أنه أدى إلى اتساع دائرة الفساد في ظل حكم الميليشيات، وإلى تشتيت الجهود الداخلية والخارجية بما حال دون تنفيذ أهم بنوده، ومنها المتعلق بالفترة الانتقالية التي كان من المفترض ألا تتجاوز مدتها 18 شهرًا، وأن تهدف إلى إجراء انتخابات تشريعية جديدة، مع إمكانية أن تمتد إلى ستة أشهر إضافية في حال عدم انتهاء الحكومة من مهامها.
كان من الطبيعي أن يؤدي التدخل الخارجي والتجاذبات الإقليمية والدولية إلى اندلاع الحرب الأهلية الثانية في نيسان – أبريل 2019، مع هجوم قوات المشير خليفة حفتر على غرب البلاد ومحاصرتها العاصمة طرابلس بهدف الإطاحة بحكومة فائز السراج والقضاء على سلطة الميليشيات. وهي الحرب التي استمرت لأكثر من عام، ولم تتوقف إلا بتدخل القوات التركية لدعم حلفائها في مدن الساحل الغربي، وبضغط المجتمع الدولي للدفع نحو حوار سياسي جديد انطلق في العاصمة التونسية في نوفمبر 2020. وقد شهد واحدة من أبرز فضائح الفساد المالي، ظهرت نتائجها بوضوح في مؤتمر جنيف في فبراير 2021، عندما وضع أغلب أعضاء الحوار أصواتهم في المزاد، ونجحت لائحة بعينها في شراء مراكز السلطة الانتقالية الجديدة بملايين الدولارات على أن تمارس مهامها لمدة لا تتجاوز العامين في أقصى الحالات، لكنها أطاحت بالاتفاق وداست على وعودها السابقة لتستمر في الحكم إلى الآن، ولتبحث في كل منعطف سياسي عن ثغرة جديدة لتستمر أكثر.
سيكون من الخطأ الاعتقاد أن المسألة تتعلق فقط بالتحالفات السياسية أو بالتوازنات الجيوسياسية وصراعات النفوذ الاستراتيجي الإقليمي أو الدولي. الموضوع مرتبط بالمصالح المالية والاقتصادية المباشرة، وبحرب عالمية غير معلنة هدفها الأساس السيطرة على ثروات ليبيا: النفط والغاز والمعادن الثمينة والطاقات البديلة والسواحل الممتدة والصحراء الشاسعة وحتى الآثار التي تتعرض يوميًا لمحاولات السطو عليها ونهبها.
خلال كل تجارب الحوار الليبي كان للقوى الإقليمية والدولية دورها في تحديد اتجاه العملية السياسية في ليبيا وفي التأثير على جدول أعمالها أو مخرجاتها، وهو ما حاولت البعثة الأممية نفيه في ردها على ما وصفتها بحملات التضليل التي تستهدف التشكيك في مصادر تمويل العملية السياسية، حيث اعتبرت أن أي تمويل موجّه لبرامجها في ليبيا، بما في ذلك تنفيذ خارطة الطريق، يتم وفق آليات رقابية موحدة تشمل التقارير الدورية، والموافقات المتعددة المستويات، والتدقيق المستقل للحسابات، مؤكدة أن هذه الإجراءات تضمن نزاهة عمل البعثات الأممية حول العالم.
القفز من فوق جسور التحفظ إلى هاوية خلط العام بالخاص والشخصي يؤدي إلى إعطاء هذا الطرف الإقليمي أو ذاك الدولي فرصة وفرضية التدخل المباشر في الشأن الليبي وفق أجندات لم تعد خافية على أحد
ونفت البعثة بشكل قاطع أن يكون لأي دولة مانحة دور في تحديد اتجاه العملية السياسية أو في التأثير على جدول أعمالها أو مخرجاتها، وأكدت أن مستقبل ليبيا “ملك لليبيين وحدهم”، وأن مهمتها تقتصر على توفير منصة مهنية وشاملة للحوار تمكّن الليبيين من التوافق حول قضايا بلدهم. غير أن بيانها لا يبدو مقنعًا للشعب الليبي الذي يشعر بحساسية خاصة نحو التدخلات الخارجية، وخاصة من قبل بعض الدول التي ارتبطت أسماؤها بالكارثة التي حلت بالبلاد منذ العام 2011.
هل تحتاج ليبيا، الدولة الثرية التي يُنهب منها مليارات الدولارات في صفقات الفساد والسطو الممنهج، إلى مساعدات أو صدقة ببعض الملايين لصرفها على جمع فرقائها تحت خيمة حوار وطني؟ ألم يستطع مجلس الأمن الدولي إقرار تسييل مبالغ مالية من الأرصدة الضخمة المجمدة في بنوك الغرب منذ 15 عامًا؟ ألم يكن بإمكان مجلسي النواب والدولة التوصل إلى اتفاق عاجل بتخصيص ميزانية من مصرف ليبيا المركزي تُصرف على خارطة الطريق الجديدة؟ لماذا قطر بالذات هي التي تسارع إلى تمويل العملية السياسية القادمة، وهي التي طالما كانت جزءًا من المشكلة لا من الحل؟
لم تجانب لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الحقيقة عندما اعتبرت هذا التصرف تجاوزًا خطيرًا لمبادئ الحياد والمهنية التي يجب أن تلتزم بها البعثة في تعاملها مع الشأن الليبي، وأن هذا التدخل يمثل محاولة لتدويل الأزمة الليبية وفرض مشاريع خارجية تتقاطع مع مصالح الشعب الليبي وطموحاته في الاستقرار والسيادة، مؤكدة رفضها الكامل لهذا السلوك. وأعربت عن استغرابها من انخراط دولة أجنبية في تمويل مسار سياسي يفترض أن يكون داخليًا بين الليبيين، محذرة من تداعيات هذه الخطوة على العملية السياسية وفرص الحل الحقيقي.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما يقيم سفير قطر مأدبة عشاء للمبعوثة الأممية هانا تيتيه ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى ليبيا عقب توقيعه اتفاق تمويل الحوار المهيكل للبعثة الأممية. فالقفز من فوق جسور التحفظ إلى هاوية خلط العام بالخاص والشخصي يؤدي إلى إعطاء هذا الطرف الإقليمي أو ذاك الدولي فرصة وفرضية التدخل المباشر في الشأن الليبي وفق أجندات لم تعد خافية على أحد، وهو ما يتم تجييره لاحقًا للإطاحة بكل الجهود المبذولة بعد التشكيك في نتائجها أو الطعن في مخرجاتها.




