خاصأبرزرأي

الحكومة مطالبة بتبنّي خطة واضحة لهيكلة الرواتب

حسين زلغوط – خاص: «رأي سياسي»:

تشهد الساحة اللبنانية منذ سنوات موجات متكررة من الإضرابات في القطاع العام، للمطالبة بتحسين الأجور، وتعديل الرواتب تبعاً لانهيار الليرة، وتأمين الحماية الاجتماعية، وإلغاء بعض القرارات الجائرة في نظرهم. لكن السؤال المركزي يبقى: هل يحقق هذا التكرار من الإضرابات الأهداف المرجوة؟ وهل لدى الحكومة الحالية خارطة طريق فعّالة للاستجابة للمطالب المشروعة، وفي الوقت نفسه للحفاظ على مرفق عام قادر على العمل؟

ما من شك أن الإضراب حقّ مشروع يكفله الدستور اللبناني كوسيلة للتعبير عن الغضب وعدم الرضا تجاه السياسات العامة. وقد أثبت عبر التاريخ قدرته على جذب الانتباه وإلحاق الضغط على الجهات المعنية. في لبنان، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تتحوّل الإضرابات في القطاع العام إلى حدث شبه اعتيادي، تتكرر صيغته كلما طالت الأزمات أو تأخر الحوار مع الحكومة. لكن رغم هذا التكرار، يواجه كثير من الإضرابات محدودية في تحقيق الأهداف. فنادراً ما تؤدي الإضرابات إلى إحداث تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية أو المالية للدولة، خصوصاً في غياب خطة واضحة لدى الحكومة للتعامل مع الملفات الملحّة.

وإذا كانت المطالب في جوهرها تصحيحية، مثل تعديل الأجور لمواجهة التضخم أو إعادة النظر بالرواتب التقاعدية، فإن غياب الموارد الكافية للدولة يجعل تحقيقها صعباً في المدى القصير. ومع استمرار الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان منذ سنوات، لا تستطيع الحكومة توفير حلول فورية، ما يجعل الإضرابات تتكرر كحلقة من دون نهاية.

كل هذا يقود إلى القول إن الحكومة مطالَبة بإعادة الاعتبار لآليات الحوار الاجتماعي مع النقابات والاتحادات المهنية في القطاع العام. فبدلاً من الدخول في دوّامات من الإضرابات المتكررة، والتي لا تفضي في كثير من الأحيان إلى حلول جذرية، يمكن تفعيل حوار مؤسساتي منتظم يهدف إلى التوصل إلى تفاهمات مرحلية قابلة للتنفيذ.

أولاً، مطلوب من الحكومة تبنّي خطة واضحة لإعادة هيكلة الرواتب بما يتلاءم مع تدهور القدرة الشرائية، على أن تكون هذه الخطة مرتبطة بإجراءات مالية أقرتها السلطة التشريعية، وترافقها آليات مراقبة شفافة تضمن استفادة الفئات الأكثر هشاشة. وهذا يتطلب شجاعة سياسية وإرادة للتفاوض بعيداً عن الخطاب الشعبوي أو الوعود غير الواقعية.

ثانياً، يصبح من الضروري اعتماد آليات بديلة لحل النزاعات، مثل الوساطة أو اللجان المشتركة بين وزارة المالية والنقابات، مع تحديد جدول زمني واضح للنتائج، لأن وجود قنوات رسمية وشفافة للتفاوض يخفف من اللجوء إلى الإضراب كأول وسيلة احتجاج، ويحوّل هذا الأخير إلى خيار أخير عند فشل الحلول القائمة.

ثالثاً، على الحكومة أن تضع سياسات اجتماعية واقتصادية مستقرة تساهم في استعادة الثقة بين العاملين في القطاع العام والدولة. ومع أن هذا يتطلب إصلاحات واسعة في بنية الاقتصاد اللبناني، فإن الخطوة الأولى تبدأ بإعطاء إشارات إيجابية من خلال تحسين ظروف العمل، وإعادة تقييم سلّم الرواتب تبعاً للقدرة الشرائية، وتقديم ضمانات التقاعد والضمان الاجتماعي.

في المقابل، إن تكرار الإضرابات بلا استراتيجية واضحة من الجانب الحكومي أو النقابي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور في الخدمات العامة وتفاقم معاناة المواطنين. فالإضراب وحده، دون خطة بديلة أو مسار تفاوضي حقيقي، سيبقى أداة غير كافية لتحقيق المطالب الأساسية.

ولكي يستعيد القطاع العام دوره الحيوي في المجتمع اللبناني، لا بد من تحويل منطق الاحتجاج إلى منطق الشراكة بين القوى العاملة والدولة، عبر حوار جاد ومستمر يفضي إلى حلول قابلة للتنفيذ، ويضع لبنان على طريق التعافي تدريجياً. بهذا الشكل فقط، يمكن للإضرابات أن تتحول من حالة مستفحِلة إلى أداة تصحيح ذات أثر إيجابي ومستدام.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى