رأي

الجامعة العربية والوحدة الناعمة

رفعت رشاد – الوطن:

تجاوز عمر جامعة الدول العربية الثمانين عاما، تأسست برغبة السعي للتوفيق بين الدول العربية والعمل من خلال موقف موحد ورأي جامع، خلال تلك السنوات الطويلة لم تتمكن الجامعة لأسباب يطول شرحها من تحقيق الأهداف الوحدوية العربية أو حتى إقامة سوق عربية مشتركة على غرارا ما حدث في أوروبا والتي تكاملت حتى صارت الاتحاد الأوروبي، لذلك أدعو الأمين العام الجديد للجامعة العربية نبيل فهمي أن يتعامل في إدارته للجامعة بتفكير يختلف عمن سبقوه، وإلا سنصل إلى نفس النتيجة، يمكنه توحيد العرب من خلال القوة الناعمة، فهي المجال الذي لا يختلفون عليه، خلال الأيام الماضية وبمتابعة مباريات كرة القدم في كأس العالم، شاهدنا شغف المواطن العربي من الخليج إلى المحيط بالفرق العربية التي شاركت في البطولة، تفاعل المواطنون العرب وكانوا يفرحون عندما يحقق فريق فوزا أو يصمد أمام فريق أقوى.

لدى الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية ما يثقل كاهله بما فيه الكفاية، ليس ثقل المنصب فهو متمرس وكفء، إنما ثقل التاريخ وإرث من سبقوه، هذه المؤسسة التي ولدت قبل أكثر من ثمانية عقود لم يكن الهدف منها مجرد التنسيق الدبلوماسي، بل كانت حلما عربيا كبيرا لكي تتحوَّل وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا إلى مشروع حضاري واحد تلتئم به الحدود العربية المعنوية قبل السياسية، غير أن الزمن مضى وتعاقبت الأمنيات وتبدلت الأنظمة وتغيرت خرائط النفوذ، بينما بقي الحلم مؤجلا.

كيف نحقق الوحدة العربية؟ كيف نعيد بناء الشعور العربي المشترك؟ التاريخ يعلمنا أن الوحدات السياسية لا تفرض من أعلى، ولا تنشأ بقرارات القمم وإنما تسبقها دائمًا وحدة في الوجدان، في الثقافة، في المصالح، في الخيال الجمعي الذي يجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى فضاء واحد، حتى وإن اختلفت حكوماتهم وحدودهم.

كان المشروع العربي طوال عقود أسيرا لفكرة الوحدة السياسية المباشرة، وما إن تعثرت تلك الفكرة حتى أصاب الإحباط كل ما عداها، كأن الفشل في إقامة دولة عربية واحدة يعني استحالة بناء أي شكل آخر من أشكال التكامل، بينما تكشف تجارب الأمم أن التاريخ لا يسير بهذه الحدة، وأن الشعوب الذكية تعرف كيف تنتقل من الممكن إلى ما هو أكبر.

التجربة الأوروبية تقدم درسا في هذه المسألة، لأن أوروبا لم تبدأ باتحاد سياسي، بدأت بإدارة مشتركة لموارد محددة، ثم بسوق اقتصادية ثم بحرية انتقال ثم بمؤسسات ثقافية وتعليمية وقانونية صنعت عبر الزمن شعورا أوروبيا عاما، حتى صار المواطن الإسباني أو الألماني أو الإيطالي يشعر بأنه ينتمي إلى وطنه وإلى أوروبا في وقت واحد، لم تلغِ أوروبا قومياتها، لكنها أضافت إليها هوية أوسع.

أما العالم العربي فيمتلك منذ البداية ما لم تمتلكه أوروبا أصلا، لغة واحدة، تراثا دينيا وثقافيا متداخلا، ذاكرة تاريخية مشتركة، إنتاجا أدبيا وفنيا متجانسا، أواصر اجتماعية يصعب العثور على مثيل لها بين أمم أخرى، ومع ذلك بقي هذا الرصيد الهائل معطلا، لذلك ربما تكون المهمة التاريخية للأمين العام الجديد نقل مركز الثقل من الوحدة الصلبة إلى الوحدة الناعمة، القوة الناعمة ليست ترفا ثقافيا، بل أكثر أدوات النفوذ رسوخا وأطولها عمرا، إنها القدرة على التأثير بالإقناع بدل الإكراه، بالجاذبية لا بالهيمنة والقوة، الأمم التي تنجح في صناعة صورتها الثقافية تستطيع أن تحقق ما تعجز عنه الجيوش والأسواق.

لعل الجامعة العربية تستطيع أن تجعل من الثقافة مشروعها الأكبر خلال العقد القادم، بإطلاق المبادرات التي تترك أثرا في حياة الناس . من خلال مواسم ثقافية في العواصم؟ منصة رقمية موحدة للكتب والأفلام والوثائقيات والموسيقى ؟ جوائز عربية كبرى للإبداع ، برامج لترميم التراث المشترك ، شبكات للمكتبات والمتاحف ، مهرجانات تعيد اكتشاف التنوع داخل الوحدة ؟ صنع هوية واحدة مع الحفاظ على التفرد لكل دولة .

إن الوحدة الناعمة العربية ليست بديلا عن الوحدة الاقتصادية أو السياسية ، بل الأرضية التي تجعل الاقتصاد أكثر تكاملا ، والسياسة أقل توترا . حين يشعر المواطن العربي بأن ثقافة أخيه امتداد لثقافته ، وأن نجاحه إضافة لنجاحه ، تصبح الحدود أقل صلابة ، ويصبح التعاون أكثر قابلية للاستمرار .

ربما لا يستطيع الأمين العام الجديد أن يقيم وحدة سياسية ، أو إنشاء سوق عربية مشتركة لكن بإمكانه أن يترك للأجيال القادمة شيئًا أكثر رسوخا , أن يبني المجال العربي الثقافي ، وأن يجعل العربي يقرأ للعربي ، ويستمع للعربي ، ويشاهد العربي ، ويتعلم مع العربي ، ويبدع مع العربي .

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى