رأي

التنين الصيني يطرق أبواب الحديقة الخلفية الأميركية

كتب علي قاسم في صحيفة العرب.

حادثة فنزويلا تبدو نموذجاً واضحاً لسياسة “الردع المبكر” ففي الوقت الذي تدعم فيه موسكو وبكين نظام مادورو اقتصادياً وسياسياً تسعى واشنطن إلى عزل النظام وإسقاطه.

على مدار عقود طويلة، كان مفهوم “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة يشكل حجر الزاوية في فهم الديناميكيات الجيوسياسية لنصف الكرة الغربي. هذا المفهوم، المتجذر بعمق في مبدأ مونرو الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، والذي حذر القوى الأوروبية من أي محاولة لاستعمار أو التدخل في شؤون الأمريكتين، تحول مع مرور الزمن من مبدأ دفاعي إلى إطار لتبرير الهيمنة الأمريكية المطلقة. لقد شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من التدخلات الأمريكية، المباشرة منها والضمنية، تراوحت بين دعم الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات منتخبة، كما حدث في غواتيمالا عام 1954 أو تشيلي عام 1973، وفرض حصار اقتصادي طويل الأمد كما في حالة كوبا، وتدخلات عسكرية علنية كما في بنما أو غرينادا. هذه الممارسات المتكررة رسخت في الوعي الجماعي، وفي مراكز صنع القرار في واشنطن، فكرة أن أميركا اللاتينية هي مجال نفوذ حصري، وأن أي محاولة من قوة خارجية لاختراق هذا المجال تمثل تحدياً غير مقبول للأمن القومي الأميركي. هذه الخلفية التاريخية ضرورية لفهم حدة الرد الأميركي على الظاهرة الجديدة التي باتت تلوح في الأفق: التوسع الصيني السريع والممنهج في هذه المنطقة التي طالما اعتبرت محمية أمريكية.

خلال العقدين الماضيين شنت الصين حملة اقتصادية هادئة لكنها ثابتة ومتسارعة في أميركا اللاتينية محوّلة نفسها من لاعب هامشي إلى شريك تجاري واستثماري مركزي

لقد دخل التنين الصيني إلى الحديقة الخلفية لأميركا ليس بالدبابات أو المنشورات الأيديولوجية، بل بعربات القطار والشحنات التجارية وحزم الاستثمار الضخمة. خلال العقدين الماضيين، شنت الصين حملة اقتصادية هادئة لكنها ثابتة ومتسارعة في أميركا اللاتينية، محوّلة نفسها من لاعب هامشي إلى شريك تجاري واستثماري مركزي. اليوم، تفوق بكين على واشنطن لتصبح الشريك التجاري الأكبر لدول أمريكا الجنوبية الرئيسية مثل البرازيل وتشيلي وبيرو، وهي ثاني أكبر شريك للمكسيك، ذات الحدود المشتركة الطويلة مع الولايات المتحدة. هذا التحول ليس مجرد إحصاءات جافة؛ فهو يعكس حاجة صينية عميقة إلى الموارد الطبيعية التي تزخر بها القارة لمواصلة نموها الصناعي، وخلق أسواق جديدة لمنتجاتها المصنعة، وتعزيز أمنها الغذائي والطاقي. فول الصويا من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي يغذي الماشية الصينية، والنحاس التشيلي يدخل في صناعة الكابلات والأجهزة الإلكترونية، والنفط الفنزويلي والإكوادوري، رغم تحدياته، كان جزءاً من استراتيجية تنويع المصادر. الأهم من ذلك، أن الاستثمارات الصينية تجاوزت مجال السلع الأساسية لتمتد إلى البنية التحتية الحيوية: موانئ في بيرو والإكوادور، خطوط سكك حديدية عبر الأنديز، محطات طاقة في الأرجنتين، ومشاريع اتصالات متطورة. هذه المشاريع، الممولة غالباً بقروض ميسرة من بنوك صينية حكومية، لا تبني الطرقات فحسب، بل تبني أيضاً نفوذاً سياسياً طويل الأمد، وتخلق شبكة من الاعتماد الاقتصادي تربط مصير العديد من حكومات المنطقة بشكل متزايد ببكين.

في مواجهة هذا الزحف الاقتصادي الصيني، لم تكن واشنطن ساكنة، لكن رد فعلها كان محكوماً بإرثها التاريخي ونظرتها الأمنية التقليدية. فبالنسبة للعديد من صناع السياسة في العاصمة الأميركية، لا يُنظر إلى النشاط الصيني على أنه مجرد منافسة اقتصادية عادية، بل كتغلغل استراتيجي في منطقة تعتبر حيوية للأمن القومي الأميركي. ترتبط هذه النظرة بتحديات معقدة تواجهها الولايات المتحدة في جوارها الجنوبي، مثل ظاهرة الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات، والتي تتطلب تعاوناً وثيقاً مع حكومات المنطقة. كما أن وجود قواعد عسكرية أميركية واتفاقيات دفاعية يعزز الشعور بالملكية. لذلك، فإن أي حضور لقوة منافسة، خاصة تلك التي تتصدر قائمة المنافسين الاستراتيجيين لواشنطن كالصين، يُعتبر تهديداً مزدوجاً: فهو يقوّض النفوذ السياسي الأميركي، ويوفر بدائل للدول التي قد تسعى للتحرر من الهيمنة الأميركية، ويمهد الطريق لحضور عسكري محتمل في المستقبل. حادثة فنزويلا، في هذا السياق، تبدو نموذجاً واضحاً لسياسة “الردع المبكر”. ففي الوقت الذي تدعم فيه موسكو وبكين نظام مادورو اقتصادياً وسياسياً، تسعى واشنطن إلى عزل النظام وإسقاطه، لا فقط بسبب سياساته الداخلية، بل أيضاً لإغلاق الباب أمام وجود دائم للقوى المنافسة في بلد يتمتع بأكبر احتياطي نفطي في العالم ويقع على بعد أميال قليلة من السواحل الأمريكية. إنه إعلان واضح أن المنطقة ليست ساحة مفتوحة للجميع، وأن واشنطن مستعدة لاستخدام أدواتها، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية القاسية والتهديد العسكري، للدفاع عن نفوذها التقليدي.

قضية خطف الرئيس الفنزويلي ونيران الصراع في أميركا اللاتينية تتجاوز بكثير شخصيات أو حكومات معينة. إنها علامة دالة على تحول تاريخي عميق

يتجاوز هذا التنافس كونه مجرد صراع ثنائي بين واشنطن وبكين في قارة بعيدة؛ إنه يعكس تحولاً جيوسياسياً أعمق في النظام العالمي. أميركا اللاتينية، التي ظلت لعقود تحت مظلة القطبية الأحادية بعد انتهاء الحرب الباردة، تتحول اليوم إلى ساحة رئيسية للتنافس بين القوى الكبرى في عالم يتجه نحو التعددية. يظهر هذا التنافس ليس فقط في العلاقات الاقتصادية، بل أيضاً في المحافل الدبلوماسية، حيث تتنافس واشنطن وبكين على تأييد الدول في تصويتات الأمم المتحدة، وفي المجالات الأمنية عبر صفقات الأسلحة والتعاون العسكري، وحتى في الحروب الثقافية والنماذج الحضارية المطروحة. يترجم هذا الصراع العالمي إلى أزمات داخلية حادة في دول المنطقة. ففي فنزويلا، تحول الصراع السياسي إلى نزاع بالوكالة. وفي كوبا، يهدد الحصار الأميركي الطويل ببقاء النظام، بينما توفر الصين شريان حياة اقتصادياً. حتى في دولة كبرى ومستقلة مثل البرازيل، نرى توتراً بين الانجذاب نحو الأسواق الصينية والتحالف التقليدي مع واشنطن. هذا الانقسام يعمق الانقسامات السياسية الداخلية، حيث يتم تجنيد الأحزاب والقادة في معسكرات جيوسياسية متعارضة، مما يقوض الاستقرار ويصرف الانتباه عن الأولويات التنموية الحقيقية لشعوب المنطقة.

لا يمكن فهم ديناميكيات الصراع في فنزويلا أو بقية أميركا اللاتينية بمعزل عن الصورة العالمية الأوسع. فخطوط الصدع نفسها التي نراها في البحر الجنوبي الصيني أو حول تايوان، أو في السهول الأوكرانية، أو في الشرق الأوسط، تظهر أيضاً في ساحات كراكاس وهافانا. إنها جميعاً تجليات لنفس التحول الأساسي: انحسار النظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، وصعود قوى جديدة تتحدى هذه الهيمنة وتطالب بنظام متعدد الأقطاب. في هذا المشهد، تشبه أميركا اللاتينية قطعة في لوحة شطرنج عالمية ضخمة. ما يحدث هناك ليس استثناءً، بل هو جزء من عملية إعادة رسم شاملة لخرائط النفوذ على مستوى الكوكب، تشبه في بعض جوانبها التوترات التي سبقت الحربين العالميتين، وإن كانت بأدوات وطبيعة مختلفة في عصر العولمة والترابط الاقتصادي والتهديدات الوجودية المشتركة. الخطر الحقيقي يكمن في احتمال أن تتحول إحدى هذه الساحات الإقليمية، بما فيها “الحديقة الخلفية” الأميركية، إلى نقطة اشتعال لمواجهة أوسع، حيث يختبر كل طرف عزم الآخر وتصطدم مصالحهما بشكل مباشر قد يفلت من نطاق السيطرة.

في النهاية، قضية خطف الرئيس الفنزويلي ونيران الصراع في أميركا اللاتينية تتجاوز بكثير شخصيات أو حكومات معينة. إنها علامة دالة على تحول تاريخي عميق. الحدث ليس معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تأكيد الهيمنة ودفع المنافسين إلى الخلف، تماماً كما هي الجهود الصينية والروسية جزء من استراتيجية كبرى لكسر الاحتكار الإقليمي الأميركي وخلق عالم متعدد المراكز. السؤال المصيري الذي يظل معلقاً هو: هل تملك الصين، بقوتها الاقتصادية والصبر الاستراتيجي الذي تميزت به، القدرة على ترسيخ وجود دائم ومقبول في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، محولة إياه إلى ساحة مشتركة؟ أم أن واشنطن، بكل ترسانتها التاريخية والسياسية والعسكرية، ستتمكن من إعادة تأكيد تفردها في المنطقة، ودفع التحدي الصيني إلى خارج أسوار حديقتها؟ الإجابة ليست واضحة، ومسار هذا الصراع سيكون أحد المحددات الرئيسية لشكل النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين. قراءة هذه التطورات المحلية بعين عالمية ضروري لفهم كيف تُعاد صياغة تحالفاتنا ومصائرنا في ظل رياح التغيير العاتية التي تهب عبر القارات.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى