الاتفاقيات الإبراهيمية إلزامية.. ترامب يحلم!!

علي محمود – بوابة الأهرام:
قبل أيام فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عددًا من الدول العربية والإسلامية بالمنطقة بدعوتها للانضمام إلى ما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، واعتبر أن هذه الخطوة باتت ضرورية، بل ذهب إلى أبعد من الضرورة ليعتبرها ملزمة ويجب أن تتم فورًا، وربطها بالاتفاق مع إيران، فى خطاب استعلائي متغطرس يتجاهل أبسط قواعد ومبادئ العلاقات الدولية، ويتجاهل أيضًا جرائم إسرائيل بالمنطقة واحتلالها للأراضي العربية، لكن بعيدًا عن كل ذلك فإن هذه الدعوة، وتوقيتها في خضم مفاوضات شاقة، وأزمة عالمية خطيرة تثير العديد من التساؤلات، وتحمل الكثير من علامات الاستفهام حول مدى جدية الإدارة الأمريكية في دعم السلام بالمنطقة؟! ولماذا طرح ترامب هذه الدعوة في هذا التوقيت؟! وهل يعتقد ترامب أن الدول العربية يمكن أن تقبل التطبيع في ظل استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي وارتكاب أبشع جرائم القتل والتدمير بالمنطقة وهل مسار التطبيع لا يزال قابلا للتنفيذ في ظل الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل على مدار الساعة ضد جيرانها من الدول العربية، ابتداء من غزة التي نفذت بحق شعبها جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان؛ بشهادة المحكمة الجنائية الدولية ولا تزال تتنصل من تنفيذ اتفاق السلام الذي تم توقيعه برعاية ترامب نفسه بل وتقوم حاليا بعلم أمريكا ومباركتها بخرق الاتفاق على مدار الساعة وتوسيع احتلالها للقطاع حتى إن نتنياهو قبل أيام اعترف صراحة بأنه وجه الجيش بزيادة المناطق المحتلة في غزة إلى 70% من مساحة القطاع في إشارة تعكس نية مبيتة لاحتلال كامل غزة وتهجير السكان وهو المشروع الذي تعمل عليه هذه الحكومة المتطرفة، ولعل رفضها حتى اليوم إعمار القطاع وإدخال المساعدات بالكميات المتفق عليها يؤكد هذه النوايا السوداء التي لم تعد خافية وتعلنها جهارًا نهارًا.
وما يحدث حاليًا من جرائم وإبادة في جنوب لبنان لا يقل عما حدث في غزة؛ حيث قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بأكبر عملية تطهير وتدمير بعمق وصل 15 كيلومترًا بطول الحدود في الأراضي اللبنانية راح ضحيتها الآلاف من الشهداء، وتهجير نحو مليون مواطن برعاية ومباركة ترامب نفسه.
أي تطبيع يتحدث عنه السيد ترامب، بينما تمارس إسرائيل هذه الجرائم ضد الشعوب العربية في فلسطين ولبنان وتحتل أراضي سوريا، وبسلاح أمريكا التي يتجاهل رئيسها كل هذه الجرائم، وهو الضالع فيها ثم يدعو للتطبيع.
وبالتوازي مع تلك الجرائم لم تخفِ إسرائيل أوهامها في إقامة إسرائيل الكبرى ولم يفوت متطرفوها في الحكومة فرصة إلا وقد أعلنوا عن نواياهم وأطماعهم في أراضٍ عربية من النيل إلى الفرات؛ لإقامة دولتهم المزعومة.
المؤكد أن أي خطوة تطبيع في هذا التوقيت بالذات هي مرفوضة شعبيًا ورسميًا في جميع الدول العربية؛ فالشعوب العربية في قمة الغضب؛ بسبب ممارسات الاحتلال الإجرامية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وكان على الرئيس الأمريكي أن يبادر بتنفيذ اتفاق غزة، وإلزام إسرائيل بالانسحاب من القطاع، وإعادة إعماره، وإجبارها أيضًا على وقف حربها على لبنان وانسحابها من الجنوب اللبناني، ولعل مجلس السلام الذي شكله ترامب برئاسته لإعمار غزة، والذي لم يقم بأي نشاط له، ولم يقدم للشعب الفلسطيني ما وعد به وما تعهد بتنفيذه منذ تشكيله، يقدم دليلاً قاطعًا على عدم جدية أمريكا لإحلال السلام في المنطقة، ويؤكد مجددًا أنها وسيط غير موثوق فيه، بل شريك ضالع مع إسرائيل في كل الجرائم التي ترتكبها بالمنطقة، وهنا تصبح دعوة ترامب للتطبيع محل سخرية، ولا مجال لطرحها، في ظل ما يحدث على أرض الواقع من قتل وتدمير ممنهج لكل مظاهر الحياة؛ سواء في غزة أو لبنان.
في تقديري أن القراءة الموضوعية لدعوة ترامب الحالمة الواهمة لا تعدو أنها رسالة دعم للحليف المدلل إسرائيل؛ لأن الإدارة الأمريكية على يقين أن الدول العربية والإسلامية التى ذكرها لن تقبل مكافأة نتنياهو، بعد كل هذه الجرائم التي ارتكبها، وفي هذا التوقيت الذي يمارس فيه الاحتلال الإسرائيلي كل صور الإبادة في غزة ولبنان، ولعل ترامب بدعوته هذه أراد أن يظهر أيضًا اصطفافًا بجانب إسرائيل أمام اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي، خصوصًا مع قرب الانتخابات النصفية التي يواجه فيها حزبه أزمة كبيرة، في ظل تراجع شعبية ترامب إلى أدنى مستوى لها، ما يهدد أغلبيته في الكونجرس، وثانيًا ربما أراد ترامب القيام بمحاولة تحقيق إنجاز دبلوماسي يحد من الضغوط المتصاعدة في الداخل الأمريكي بسبب حربه على إيران، والتي أثارت غضبًا واسعًا في العالم كله ضد أمريكا بسبب تداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي، جراء إغلاق مضيق هرمز وتوقف سلاسل الإمداد بمجال الطاقة والأسمدة وغيرها من منتجات تحتاجها الأسواق الدولية، ثم ثالثًا فإن الإدارة الأمريكية تحتاج إلى سردية تبرر هذه الحرب، وتقدمها باعتبارها أنها نجحت في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتغيير خريطة موازين القوى بالمنطقة، لا كونها حربًا بلا نتائج خصوصًا بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة في إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على برنامجه النووي والصاروخي.
الخلاصة، إن دعوة السيد ترامب للتطبيع محاولة يائسة بائسة؛ لانتزاع صورة نصر دبلوماسي زائف يحفظ له ماء الوجه، بعد أن أصبح أداة في يد المتطرفين الصهاينة، وتم توريطه في حرب لا يعرف كيف يخرج منها، للدرجة التي دفعت بعض أنصاره إلى توجيه انتقادات لاذعة له؛ فقد ذهب المفكر والمؤرخ السياسي البارز روبرت كاخان، وهو من المحافظين المتشددين الداعمين لترامب، إلى القول بأن ترامب في مأزق حقيقي سينتهي بالاستسلام، وكتب في مقال تحليلي قبل أيام بمجلة ذا أتلانتيك بعنوان “نهاية لعبة ترامب هي الاستسلام” أن توجه ترامب للبحث عن أي مخرج سريع لإعلان النصر والانسحاب من المواجهة يمثل استسلامًا فعليًا.
في المقابل فإن الدول العربية والإسلامية لن تقدم طوق نجاة لترامب، على حساب دماء الشهداء الذين راحوا ضحايا العدوان الإسرائيلي الوحشي في غزة ولبنان بسلاح أمريكا ومباركة ترامب، كما أن التطبيع المزعوم لن يتحقق، بينما إدارته تواصل دعمها الأعمى للكيان المحتل، وتتجاهل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس.
.. وحين تتحقق الدولة الفلسطينية ويعود الحق المسلوب للشعب الفلسطيني، ربما تقبل الدول العربية بنوع من التطبيع مع هذا الكيان الذي سيظل العدو الأول للأمة!!




