رأي

الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”.. عقوبات وقطيعة بسبب بن غفير أم إدارة توتر مُصطنع!

محمد هلسة – الميادين:

“إسرائيل” التي أسهم الغرب، عبر تراخيه مع تجاوزاتها والتغطية عليها، في جعلها دولة مارقة فوق القانون، تُصر في سلوكها المنفلت على حشر زعامات الغرب في الزاوية الضيقة وإحراجهم أمام شعوبهم، بما لا يحفظ لهم حتى ماء الوجه.

أوروبا “حبيبة إسرائيل” وشريكتها، هي ذاتها لم تتغير، لا قبل حرب الإبادة على غزة ولا بعدها، ولا حتى بعد إساءة بن غفير وإذلاله المُتعمّد لمواطنين أوروبيين من المشاركين في “أسطول الحرية”، ومفاخرته بذلك أمام عدسات الكاميرات.

وفيما يتنامي الغضب لدى الكثير من الحكومات عالمياً إزاء معاملة نشطاء “أسطول الصمود العالمي” الذي كان متجهاً إلى غزة، تُصر دول الاتحاد الأوروبي على التعامل مع هذا الحادث، ومثله كثير، باعتباره سلوكاً “فردياً” لا يُعبّر عن طبيعة “إسرائيل” ونظامها السياسي، وبالتالي لا يستدعي اتخاذ خطوات عقابية على المنظومة التي تتبنى وترعى سلوك بن غفير باعتباره جزءاً من أجندة حكومية رسمية.

قبل كل شيء، لنتذكر أن قيادات أوروبا الغربية تبنّت وروّجت للدعاية القائلة إن “إسرائيل، الواقعة في الشرق الأوسط، الحافل بالدكتاتوريات الشرقية المتخلفة”، هي “امتداد للثقافة الغربية الليبرالية الديمقراطية”، ولذلك لطالما حظيت بالرعاية والاحتضان والدعم من زعامات الغرب، الذين رفعوا شعار “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها” كمبرر لاستمرار مدّها بكل أسباب التفوّق العسكري والسياسي.

وحين شنّت “إسرائيل” حربها التدميرية على قطاع غزة تمسك زعماء الغرب بهذا الشعار ولم يتخلوا عن دعم “إسرائيل” غير المشروط، رغم ما ارتكبته من فظاعات، وروّجوا لمواقف كلامية منحازة للفلسطينيين شكلاً تحت وطأة الاحتجاجات والانتقادت الشعبية في بلدانهم، فيما ظلت المواقف الداعمة لـ”إسرائيل” المعيار الذي حكم علاقتهم بها “من تحت الطاولة ومن فوقها” إن جاز التعبير.

ورغم أن “إسرائيل” أثبتت للغرب، بما لا يدع مجالاً للشك، عبر سلوك بن غفير وغيره من السياسيين الإسرائيليين، لا بل عبر الأجندة الحكومية الرسمية المُعلنة، أنها الأكثر عنفاً من كل “طغاة المنطقة” حسب ما وصفها “أراد نير” محرر الأخبار الخارجية في القناة 12 العبرية، في سياق تقييمه لسياسات وتصرفات دولته “إسرائيل”، قائلاً إن “إسرائيل هي أكثر دول العالم عنفاً، وهي دولة قاتلة متسلسلة”، ما زال الغرب يرفض تغيير نمط تعاطيه التقليدي المتساهل مع “إسرائيل”.

وحتى عندما ناقش الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على شخصيات إسرائيلية بسبب عنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية، الذي يحظى برعاية حكومية إسرائيلية رسمية، كشف تقرير لموقع “بوليتيكو” أن الاتحاد الأوروبي حذف اسمَي وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من قوائم العقوبات المحتملة التي كانت قيد الدراسة، في خطوة تعكس تراجعاً أوروبياً عن إجراءات كانت تستهدف شخصيات إسرائيلية متطرفة.

لكن “إسرائيل” التي أسهم الغرب، عبر تراخيه مع تجاوزاتها والتغطية عليها، في جعلها دولة مارقة فوق القانون، تُصر في سلوكها المنفلت على حشر زعامات الغرب في الزاوية الضيقة وإحراجهم أمام شعوبهم، بما لا يحفظ لهم حتى ماء الوجه، ووضعهم في معضلة اضطرارهم، مُكرهين، للخروج في مواقف علنية مُندّدة بجرائم الاحتلال بحق مواطنيهم، بسبب مهاجمة بن غفير ناشطي “أسطول الحرية” الأوروبيين والتنكيل بهم وإذلالهم أمام عدسات الكاميرات، ثم إعلانهم لاحقاً، بعد الإفراج عنهم، أنهم تعرضوا لاعتداءات جنسية في سجون الاحتلال، فضلاً عن الضرب والصفع والصعق بالكهرباء.

يجد الاتحاد الأوروبي اليوم نفسه في خضم أزمة “أخلاقية ودبلوماسية” غير مسبوقة، فهو لم يعتد على التنديد بجرائم الاحتلال بحق مواطنيه، لذا فإنه يحاول الخروج من المأزق بإلصاق الاتهامات كلها بوزير أمن الاحتلال المتطرف بن غفير وتبرئة الكيان الصهيوني، حكومة ودولة، من هذه الممارسات، باعتبارها سلوكيات شاذة لا تمثل صورة “إسرائيل”.

وبقليل من المتابعة، يمكن للمرء أن يلحظ أن أياً من السياسيين الأوروبيين الرسميين أو الصحافة الأوروبية التي تناولت حادثة بن غفير، لم يأتِ على الربط بين سلوك بن غفير وسياسة حكومة “إسرائيل” الرسمية التي تتبناه وترعاه، أو باعتباره جُزءاً من أجندة حكومية مُطبّقة في فلسطين المحتلة، لأن هذا باختصار سيفضح نفاق وازدواجية معايير الاتحاد الأوروبي الذي يدعم “إسرائيل” ويقيم معها علاقات شراكة استراتيجية في الجوانب العسكرية والتجارية والعلمية، فإن أدان الاتحاد الأوروبي “إسرائيل”، دولةً ونظاماً سياسياً، على هذا السلوك، فكأنه يدين نفسه وسياساته.

إذاً، فالأسهل صرف الأنظار عن حكومة “إسرائيل” و”دولتها”، وتوجيه الانتقاد والغضب نحو شخص واحد فقط، هو بن غفير، وإعفاء النظام السياسي والدولة من تبعات سلوكه، رغم أن نتنياهو في بيان الإدانة الذي أصدره ضد سلوك بن غفير أكد أن “لإسرائيل كامل الحق في منع أساطيل أنصار حماس الاستفزازية من دخول مياهنا الإقليمية والوصول إلى غزة”.

وكذلك فعل بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية الذي أدان سلوك بن غفير، لكنه أكد أن الأسطول “أثبت مرة أخرى أنه ليس سوى حيلة دعائية في خدمة حماس”. كما وصلت وزيرة النقل الصهيونية “ميري ريغيف” إلى ميناء أسدود، ونشرت مقطع فيديو تقول فيه إن “هذا ما سيحدث لأنصار الإرهاب الذين جاؤوا لكسر الحصار على غزة”. وإذا كانت “إسرائيل”؛ رئاسة وزراء ووزارة خارجية وكافة الوزراء، يعتبرون نشطاء الأسطول “إرهابيين” مساندين لحماس، فهل من شك بعد ذلك أن سلوك بن غفير لم يخرج عن سياق الإجماع الإسرائيلي الرسمي!

باختصار، أرادت دول أوروبا من المسارعة إلى إدانة “بن غفير” حصراً، إظهار أنه، وإن كان وزيراً وشريكاً في ائتلاف يميني صهيوني متطرف، إلا أنه “المُطَبّع” على قيم التطرف؛ ورمزها وعنوانها، بحيث تبدو كل سلوكيات الحكومة الإسرائيلية الشبيهة، “مُحتملة” و “مقبولة”، لأنه باختصار يجعل الشر مُحتملًا، فغالباً ما يُقدم نموذج الأسوأ والأكثر تطرفاً من غيره في المجتمع الإسرائيلي، وعندما يختار بن غفير القيام بخطوة استعراضية إذلالية لنشطاء أوروبيين، فإنه “سلوك فردي شاذ لا يمثل وجه إسرائيل المختلف” وفق رؤية الاتحاد الأوروبي!

لم يكن أمام دول الاتحاد الأوروبي، أمام مشهد الغضب العالمي تجاه “إسرائيل”، سوى أن تقود حملة دبلوماسية غاضبة، وأن تستدعي سفراء “إسرائيل” لمحادثات توبيخ بسبب فيديو بن غفير، ومن ثم الإعلان عن منع بن غفير من دخول أراضيها، باعتباره ذروة الخطوات العقابية الأوروبية.

لكن هذا “السقف” يكشف حقيقة السلوك الأوروبي الذي لا يُخرج أوروبا من عباءة “نفاقها” التاريخي حين يتعلق الأمر بمحاسبة “إسرائيل” على تجاوزاتها وفرض عقوبات عليها، وأن الأمر لا يعدو كونه استعراضاً دبلوماسياً “تنفيسياً” يمتص الغضب الدولي الناتج عن السلوك الإسرائيلي ويحرف الأنظار عن محاسبة “إسرائيل”، دولة ونظاماً، إلى محاسبة “بن غفير” على فعله باعتباره سلوكاً “فردياً لا يمثل صورة إسرائيل وسياستها”، “وكفى الله المؤمنين القتال”.

والأهم، أن هذا وضعٌ تخرج فيه الأطراف الثلاثة رابحةً؛ فدول الاتحاد الأوروبي تظهر وكأنها “غضبت وعاقبت”، فيما حقيقة الأمر أنها تجنبت معاقبة السياسات الإسرائيلية الرسمية. أما “إسرائيل” فتكسب ظهورها بمظهر “الدولة الديمقراطية” التي ترفض سلوك بن غفير وتدينه باعتباره “سلوكاً فردياً شاذاً” لا يمثل صورة إسرائيل ولا قيمها”، وتتجنب فرض عقوبات أوروبية عليها!

وبالنسبة إلى بن غفير، فقد خرج من هذه الحملة الاستعراضية أكثر قوة مع مزيد من أصوات اليمين الصهيوني الانتخابية، باعتباره رمزاً لمنطق “القوة اليهودية” التي ترفض الدبلوماسية المتسامحة الاعتذارية… فيما الخاسر الوحيد هما القانون الدولي الإنساني والشعب الفلسطيني الذي يدفع ثمن نفاق أوروبا وغطرسة “إسرائيل”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى