افتتاحية اليوم: هل تصمد رسائل التهدئة؟

أعاد كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، إثر لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، حول الحرص على “أمن واستقرار البلد وسير الحياة الطبيعية فيه”، طرح سؤال جوهري في الداخل اللبناني: هل تعكس هذه الرسائل توجهاً فعلياً لدى حزب الله لعدم الانخراط في أي حرب محتملة إذا تعرضت إيران لهجوم أميركي أو إسرائيلي؟
في الظاهر، تبدو العبارة موجهة إلى الداخل قبل الخارج. فلبنان يعيش حالة من القلق من حرب إسرائيلية جديدة عليه، إضافةً إلى أزمات داخلية متنوعة، ومجرد اهتزاز أمني واسع قد يطيح بما تبقى من مقومات الصمود. لذلك، فإن التأكيد على الاستقرار يحمل بعداً تطمينياً، خصوصاً في ظل مخاوف شعبية من انزلاق البلاد إلى مواجهة إقليمية لا طاقة لها على تحمّلها.
لكن القراءة السياسية لا يمكن أن تتوقف عند حدود الرسالة الظاهرية، فحزب الله، بوصفه جزءاً من محور إقليمي تقوده طهران، يربط خياراته الاستراتيجية بمفهوم “وحدة الساحات” وتكامل الجبهات. ومع ذلك، أثبتت التجارب السابقة أن الحزب يوازن بين التزاماته الإقليمية وحساباته اللبنانية الدقيقة، ويختار توقيت وشكل انخراطه بما يخدم معادلة الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة إلا إذا فُرضت عليه.
السيناريو الأرجح، في حال تعرضت إيران لهجوم، لا يتمثل بالضرورة في دخول مباشر وفوري على خط المواجهة، بل في اعتماد استراتيجية “الدعم المدروس”، أي إبقاء الجبهة اللبنانية في حالة استنفار وردع، مع إمكانية تنفيذ خطوات محسوبة تعزز الضغط الإقليمي من دون فتح حرب مفتوحة. فالحزب يدرك أن أي مواجهة واسعة مع إسرائيل ستعني دماراً هائلاً للبنان، وهو ما يضعه أمام مسؤولية وطنية ثقيلة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن أي هجوم كبير يهدد بنية النظام الإيراني أو قيادته قد يبدّل قواعد الاشتباك كلياً. حينها قد يرى الحزب أن المعركة مصيرية، وأن الامتناع عن التدخل ينعكس سلباً على موقعه ودوره الاستراتيجي. هنا تصبح الحسابات مختلفة، ويتقدم منطق “الدفاع عن المحور” على اعتبارات الكلفة الداخلية.
بكلام آخر، إن تصريح النائب محمد رعد لا يمكن اعتباره إعلان حياد، بل رسالة مزدوجة: طمأنة الداخل اللبناني، وإبلاغ الخارج بأن الحزب لا يسعى إلى التصعيد، لكنه ليس خارج معادلات الردع، وأن القرار النهائي سيبقى رهناً بطبيعة الهجوم المحتمل، حجمه، وأهدافه، وبمدى اتساع رقعة الاشتباك الإقليمي.
حيال ما تقدم، يقف لبنان مرة جديدة على حافة الاحتمالات، والأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بتوضيح المشهد اللبناني المكبّل بقيود القلق والخوف.



