أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: لبنان في عين العاصفة

لم تعد ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة قابلة للقياس بمعايير ما قبل الحرب الإيرانية–الأميركية، إذ تشير كل المؤشرات إلى أن التوازنات التي حكمت المنطقة لعقود تتجه نحو إعادة تشكيل عميقة، قد تفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي إلى رسم خرائط نفوذ مختلفة.

وفي قلب هذا التحول، يقف لبنان أمام اختبار مصيري قد يحدد موقعه في المعادلة الإقليمية الجديدة، إما كدولة قادرة على حماية مصالحها، أو كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

فالتحولات المرتقبة لن تقتصر على إعادة توزيع القوى بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، بل ستطال طبيعة الصراعات نفسها، حيث يُرجَّح أن تنتقل من المواجهات المباشرة إلى مسارات تفاوضية معقدة تُدار تحت سقف تفاهمات كبرى.

وفي هذا السياق، يصبح احتمال فتح قنوات تفاوض مع إسرائيل جزءًا من مشهد أوسع لا يمكن للبنان تجاهله أو التعامل معه بخفة سياسية. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المفاوضات بحد ذاتها، بل في هشاشة الجبهة الداخلية اللبنانية، التي تعاني من انقسامات عميقة تجعلها عاجزة عن إنتاج موقف وطني موحّد.

فلبنان، الذي لطالما كان يتأثر برياح الخارج، يواجه اليوم تحديًا مضاعفًا: إما أن يتحول إلى شريك في رسم مستقبله، أو أن يُفرض عليه هذا المستقبل من دون أن يكون له رأي فيه.

لذلك، فإن تحصين الوضع الداخلي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. ويتطلب ذلك إعادة بناء الثقة بين المكونات السياسية، وتفعيل مؤسسات الدولة، والانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة الجامعة.

فالمعادلات الإقليمية الجديدة لن تنتظر أحدًا، ومن لا يملك قراره الداخلي لن يكون قادرًا على حماية سيادته أو مصالحه.

في المقابل، فإن أي مفاوضات محتملة مع إسرائيل، إن حصلت، يجب أن تُدار من موقع قوة وطنية، لا من موقع الانقسام والضعف. وهذا يفرض على القوى السياسية اللبنانية أن تدرك أن الخلافات الداخلية، مهما كانت عميقة، لا يمكن أن تكون مبررًا لتعريض البلاد لمخاطر استراتيجية.

من هنا، فإن لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤولية؛ فإما أن ينجح في عبور المرحلة بأقل الخسائر عبر وحدة موقفه الداخلي، وإما أن يجد نفسه مرة جديدة في موقع الخاسر الأكبر في لعبة أمم لا ترحم الضعفاء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى