أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: لا بيوت… ولا أمان

لم يعد فقدان المنزل في لبنان مجرد خسارة مادية يمكن تعويضها مع مرور الوقت، بل تحوّل إلى جرح عميق في معنى الاستقرار والكرامة. آلاف المواطنين الذين فقدوا بيوتهم في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية خلال الحرب التي لم تنتهِ بعد، وجدوا أنفسهم فجأة خارج خرائط الأمان، يحملون ما تبقى من ذكرياتهم في حقائب صغيرة، ويواجهون واقعًا قاسيًا لا يشبه أي شيء عرفوه من قبل.

البيت في الوجدان اللبناني ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل هو امتداد للهوية والعائلة والتاريخ الشخصي. لذلك، حين يُدمَّر، لا يُقتلع الحجر فحسب، بل تُقتلع معه الطمأنينة. هذا ما يشعر به اليوم أولئك الذين اضطروا للنزوح، متنقلين بين مراكز إيواء مكتظة، أو ضيوفًا ثقيلين على أقارب وأصدقاء، في ظل ضائقة اقتصادية خانقة تضرب الجميع بلا استثناء.

المأساة لا تقف عند حدود النزوح. فغياب أي أفق واضح لإعادة الإعمار، وتباطؤ الاستجابة الرسمية، وارتفاع كلفة الإيجارات بشكل جنوني، كلها عوامل تجعل من العودة إلى الحياة الطبيعية حلمًا مؤجلًا. كثيرون فقدوا مصادر دخلهم، ما يجعلهم عاجزين حتى عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. وهكذا، تتقاطع أزمة السكن مع أزمة معيشية أشمل، لتنتج واقعًا اجتماعيًا شديد الهشاشة.

في مراكز الإيواء، تتكثف الحكايات: أمّ تخشى على أطفالها من البرد والمرض، ربّ عائلة يشعر بالعجز لأنه لم يعد قادرًا على تأمين سقف لأسرته، وشباب ضاعت خططهم المستقبلية بين ركام المنازل. هذه التفاصيل الصغيرة ترسم صورة أكبر لأزمة إنسانية صامتة، لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى الانكسار الذي يصيب النفوس.

ومع ذلك، لا يغيب التضامن الأهلي. مبادرات فردية وجماعية تحاول سدّ الفجوات وتقديم ما يمكن تقديمه من مساعدات، ولو بحدود ضيقة، غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى عاجزة عن مواجهة حجم الكارثة من دون خطة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الحماية الاجتماعية، وتضع إعادة الإعمار في صدارة الأولويات.

لبنان اليوم أمام اختبار قاسٍ: إما أن يتحول ملف النازحين داخليًا إلى جرح مزمن يفاقم الانقسام الاجتماعي، على غرار ملف المهجّرين جراء الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، أو أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها. فالبيت الذي يُعاد بناؤه لا يعيد فقط جدرانًا مهدّمة، بل يعيد أيضًا شيئًا من الأمل بأن هذا البلد، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على النهوض.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى