افتتاحية اليوم: قرى جنوبية سُوّيت بالأرض

تتوالى، بعد قرار وقف النار، المؤشرات الميدانية التي تكشف حجم الدمار الواسع في قرى وبلدات جنوب لبنان، حيث لم تعد آثار القصف وحدها هي السمة الغالبة، بل برز نمط أكثر منهجية يقوم على تسوية أحياء كاملة بالأرض عبر عمليات هدم منظّمة.
هذا التحول يعكس انتقالاً إسرائيلياً من منطق الضربات العسكرية الموضعية إلى استراتيجية إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والبشري في المنطقة الحدودية.
المشاهد المتداولة، سواء عبر صور جوية أو مقاطع ميدانية، تُظهر مناطق سكنية وقد اختفت معالمها بالكامل، بحيث يصعب التمييز بين ما كان منازل أو طرقات أو حتى مرافق حيوية. هذا المستوى من التدمير لا يقتصر على إلحاق الضرر بالبنية التحتية، بل يطال مقومات الحياة اليومية، ما يجعل العودة إلى هذه المناطق أمراً بالغ التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً في المدى المنظور.
وتشير المعطيات إلى أن عمليات الهدم لم تكن عشوائية، بل استهدفت بشكل خاص القرى القريبة من خط التماس، ما يطرح تساؤلات حول الأهداف الفعلية لهذه السياسة الإسرائيلية. فإفراغ هذه المناطق من سكانها، وتحويلها إلى مساحات مدمّرة، قد يندرج ضمن محاولة فرض واقع أمني جديد يقوم على إنشاء حزام خالٍ من العمران، أو على الأقل تقليص الكثافة السكانية إلى الحد الأدنى.
في المقابل، تتفاقم أزمة النزوح الداخلي، إذ يجد آلاف السكان أنفسهم عاجزين عن العودة إلى منازلهم، ليس فقط بسبب المخاطر الأمنية، بل أيضاً بسبب غياب أي مقومات لإعادة الإعمار السريع. هذا الواقع يهدد بإحداث تحولات ديموغرافية طويلة الأمد قد تؤثر على البنية الاجتماعية والاقتصادية للجنوب اللبناني.
كما يضع هذا المشهد الدولة اللبنانية أمام تحديات هائلة تتجاوز قدراتها الحالية، سواء على مستوى الإغاثة أو إعادة الإعمار أو حتى التفاوض السياسي. فالتعامل مع مناطق مدمّرة بالكامل يتطلب خططاً شاملة وموارد ضخمة، في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من أزمات مالية واقتصادية خانقة.
انطلاقاً مما تقدم، لا يمكن فصل ما يجري في جنوب لبنان عن سياق أوسع من الصراع، حيث لم يعد الهدف فقط تحقيق مكاسب عسكرية آنية، بل إعادة رسم معالم الأرض بما يخدم توازنات جديدة.




