افتتاحية اليوم: فرحة الأضحى ووجع الحرب

حلّ عيد الأضحى هذا العام على لبنان، وخصوصًا على الجنوب، مثقلًا بصوت الغارات الإسرائيلية، ورائحة الدمار، ووجع الشهداء، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها اللبنانيون منذ أشهر طويلة. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن تمتلئ فيه القرى بأجواء التكبير، والزيارات العائلية، وفرح الأطفال، حضرت الحرب بقسوتها لتفرض واقعًا مختلفًا عنوانه الخوف، والترقب، والنزوح، والحداد.
ومنذ ساعات الفجر الأولى للعيد، تواصلت الاعتداءات الجوية على عدد من البلدات الجنوبية، متسببةً بسقوط ضحايا ودمار إضافي في المنازل والبنى التحتية، فيما ارتفعت وتيرة القلق لدى الأهالي الذين باتوا يعيشون على إيقاع الإنذارات، والطائرات المسيّرة، وأصوات الانفجارات. وتحولت أيام العيد، التي اعتاد اللبنانيون أن تكون مساحةً للراحة والتلاقي، إلى محطات لتفقد الأضرار، وتشييع الشهداء، ومواساة العائلات المنكوبة.
المشهد في الجنوب بدا شديد القسوة هذا العام: شوارع شبه خالية، مؤسسات مقفلة، وقرى فقدت جزءًا كبيرًا من سكانها بسبب النزوح المستمر. حتى الطقوس الدينية والشعبية التي ترافق عيد الأضحى تراجعت أمام أولوية الأمن والسلامة. فكثير من العائلات اختارت الاكتفاء بالصلاة والدعاء داخل المنازل أو في مراكز النزوح، بينما غابت مظاهر الاحتفال التقليدية تحت ضغط الأوضاع المعيشية، والخوف من اتساع دائرة الاستهداف.
ولا يقتصر تأثير الحرب على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى البعد النفسي، والاجتماعي، والاقتصادي. فالعيد الذي يشكل عادةً مناسبةً لتحريك الأسواق والقطاعات التجارية، مرّ هذا العام باهتًا في مناطق واسعة من لبنان، مع تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات القلق من مستقبل مجهول. أما في الجنوب، فقد تحولت الأولويات بالكامل من شراء الأضاحي والهدايا إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود والبقاء.
وفي موازاة المشهد الميداني، تتزايد المخاوف من أن يكون لبنان مقبلًا على مرحلة أكثر خطورة، في ظل استمرار التصعيد العسكري، وغياب أي أفق واضح لوقف المواجهة. ويبدو أن الجنوب بات يعيش حالة استنزاف يومية، لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل تشمل أيضًا إنهاك المجتمع المحلي، وضرب مقومات الحياة الطبيعية فيه.
لكن، ورغم كل ذلك، يحاول الجنوبيون التمسك بما تبقى من مظاهر الحياة. ففي القرى التي لم تُفرغ بالكامل، ارتفعت تكبيرات العيد من المساجد متحديةً صوت الطائرات، في رسالة تعكس إصرار الناس على البقاء والصمود. وبين الركام وصور الشهداء، بدا العيد هذا العام مناسبةً تختلط فيها مشاعر الإيمان بالحزن، والتمسك بالأرض بالخوف من المجهول، فيما يقف لبنان مرةً جديدةً أمام امتحان قاسٍ يختبر قدرته على الاحتمال وسط منطقة تغلي بالتوترات والحروب.




