أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: صمود في وجه الركام

يتحوّل المشهد في الجنوب اللبناني، يوماً بعد يوم، إلى صورةٍ ثقيلة تختصر حجم المأساة التي خلّفتها الحرب والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. قرىً بكاملها تبدو وكأنها خرجت من الخرائط؛ منازل مدمّرة، أحياء سُوِّيت بالأرض، وعمليات جرف تستهدف ما تبقّى من بيوتٍ ومنشآت، فيما يقف الأهالي أمام واقعٍ قاسٍ يزداد تعقيداً مع غياب أيّ إمكانات للدولة العاجزة عن مواكبة حجم الكارثة.

هذا الواقع لم يعد مجرّد أزمة إنسانية أو ملفّ إغاثي، بل تحوّل إلى تحدٍّ سياسي ووطني كبير يضع الحكومة اللبنانية أمام امتحانٍ شديد الحساسية، خصوصاً أنّ إعادة الإعمار تحتاج إلى إمكاناتٍ ضخمة غير متوافرة في ظلّ الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعيشه لبنان منذ سنوات. فحجم الدمار في الجنوب تجاوز القدرة الطبيعية لأيّ حكومة تعاني أساساً من شللٍ مالي وإداري، الأمر الذي جعل الدولة تتحرّك دبلوماسياً لمحاولة وقف النزيف المستمر قبل الانتقال إلى مرحلة إعادة البناء.

وفي هذا السياق، جاء طلب رئيس الجمهورية، جوزاف عون، أمس، من السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، نقل مطلبٍ لبناني واضح إلى واشنطن، بضرورة التدخّل لوقف عمليات التدمير والجرف التي تنفّذها إسرائيل قبل الشروع في عملية التفاوض.

ويعكس هذا الموقف إدراكاً لبنانياً بأنّ استمرار تدمير المنازل، مع استمرار المواجهات العسكرية، يعني عملياً نسف أيّ فرصة سريعة لعودة السكان إلى قراهم، كما يفتح الباب أمام أزمة اجتماعية ومعيشية طويلة الأمد.

الرسالة اللبنانية تحمل في طيّاتها أكثر من بُعدٍ سياسي؛ فهي، أولاً، محاولة لتحميل الولايات المتحدة مسؤولية الضغط على إسرائيل، باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي، وهي، ثانياً، تعبير عن خشيةٍ رسمية من أن يكون ما يجري جزءاً من سياسة تهدف إلى فرض واقعٍ جديد على الحدود الجنوبية، عبر تحويل مناطق واسعة إلى أرضٍ مدمّرة وغير قابلة للحياة الطبيعية في المدى المنظور.

وفي الداخل اللبناني، تتصاعد المخاوف من أن يؤدّي استمرار هذا الوضع إلى تداعياتٍ خطيرة، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فآلاف العائلات عاجزة عن العودة إلى منازلها، فيما تتزايد الأعباء على الدولة والبلديات والمؤسسات الإنسانية التي تكافح لتأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الصمود.

كما أنّ ملفّ إعادة الإعمار بدأ يثير أسئلةً حسّاسة حول مصادر التمويل وآليات التنفيذ، وسط خشيةٍ من أن يتحوّل إلى مادة خلافٍ سياسي داخلي، في بلدٍ يعيش أصلاً انقساماتٍ حادّة وأزماتٍ متراكمة. لذلك تبدو الحكومة أمام سباقٍ مع الوقت: وقف التدمير أولاً، ثم تأمين شبكة دعمٍ دولية تمنع سقوط الجنوب في عزلةٍ إنسانية واقتصادية طويلة.

وفي ظلّ هذا المشهد، يبدو الجنوب اليوم أكثر من مجرّد ساحة مواجهة عسكرية؛ إنّه عنوان لمعركةٍ من نوعٍ آخر، عنوانها الصمود في وجه الركام، ومحاولة حماية ما تبقّى من مقوّمات الحياة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى