أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: جنيف… ومفترق الطرق

تعود مدينة جنيف إلى واجهة الدبلوماسية الدولية مع انطلاق محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران اليوم بحضور ممثل عن سلطنة عُمان، في خطوة تعكس إدراكًا متبادلًا بأن مسار التصعيد بلغ حدودًا يصعب تجاوزها من دون كلفة باهظة. فالمفاوضات المرتقبة اليوم لا تتصل فقط بالملف النووي، بل تندرج ضمن محاولة أوسع لخفض التوتر في المنطقة وإعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي والأمني بين الطرفين.

العودة إلى الطاولة، ولو بوساطة، تعني أن قنوات الاتصال لم تُقفل نهائيًا رغم سنوات من العقوبات المتصاعدة والرسائل المتبادلة عبر ساحات متعددة. بالنسبة إلى واشنطن، يشكّل الملف النووي أولوية تتقدم على سواه، في ظل القلق من تسارع وتيرة التخصيب وتضاؤل هامش الوقت أمام أي تسوية تقنية قابلة للحياة. أما طهران، فترى في المفاوضات فرصة لكسر الطوق الاقتصادي المفروض عليها منذ عقود، أو على الأقل لتخفيف حدته، من دون تقديم تنازلات تمسّ جوهر استراتيجيتها الردعية.

الوساطة العُمانية ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، فمسقط راكمت خلال العقدين الماضيين خبرة في إدارة الاتصالات الحساسة بين الطرفين، مستفيدة من سياسة خارجية تقوم على الحياد الإيجابي وبناء الثقة. من هذا المنطلق، تبدو المحادثات محاولة لاختبار إمكان إنتاج «تفاهم مرحلي» يجمّد عناصر الانفجار من دون أن يحسم القضايا العالقة جذريًا.

الرهان الأميركي يتمثل في احتواء البرنامج النووي ضمن سقوف يمكن مراقبتها والتحقق منها، مقابل حوافز اقتصادية أو إنسانية محددة. في المقابل، تسعى إيران إلى تثبيت حقها في تطوير برنامجها النووي لأغراض سلمية، وإلى انتزاع اعتراف عملي بدورها الإقليمي. وبين السقفَين، تتحرك الدبلوماسية في مساحة ضيقة، حيث كل خطوة محسوبة بدقة، وكل صياغة قابلة للتأويل.

فعلى المستوى الإقليمي، تنعكس هذه المحادثات على أكثر من ساحة. فخفض التوتر بين واشنطن وطهران قد ينعكس هدوءًا نسبيًا في بؤر ملتهبة، في أكثر من مكان. كما أن أي تقدم، ولو محدود، قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أولويات دول المنطقة التي أنهكتها سياسة حافة الهاوية.

لكن التفاؤل يبقى حذرًا، فجنيف ليست محطة نهائية بل مفترق طرق: إما مسار تراكمي نحو تفاهم أوسع يعيد الاعتبار للدبلوماسية، وإما جولة اختبار جديدة تسبق عودة إلى التصعيد. وفي الحالتين، تبدو الحقيقة واضحة: لا الولايات المتحدة قادرة على تجاهل إيران، ولا إيران قادرة على القفز فوق الضغوط الدولية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى