أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الإهمال المميت

لم يعد انهيار الأبنية في طرابلس حدثا طارئا أو استثنائيا، بل تحول إلى مشهد متكرر يختصر مأساة بلد ينهار على رؤوس أكثر فئاته فقرا. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح وغضب: إلى متى تُزهق أرواح الفقراء تحت ركام الإهمال والعجز، وإلى متى يُترك الخطر يتربص بآلاف العائلات التي تسكن أبنية آيلة للسقوط في هذه المنطقة من دون أي خطة إنقاذ جدية؟
ما يحصل اليوم ليس قدرا ولا كارثة طبيعية، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات الغائبة، وغياب الرقابة، وانسحاب الدولة من أبسط واجباتها. أبنية شُيّدت منذ عقود من دون صيانة، أخرى تضررت بفعل الزمن والحروب، وثالثة نالتها التصدعات بفعل الاهتزازات والأشغال العشوائية، ورغم وضوح الخطر، تُترك هذه المباني مأهولة، وكأن أرواح قاطنيها أقل أولوية من أي ملف آخر.
الفقراء هم الضحية الدائمة، لا يملكون خيار الانتقال، ولا قدرة على الترميم، ولا سندا قانونيا أو ماليا يحميهم. يعيشون يوميا تحت سقوف متشققة، وجدران متآكلة، وسلالم تهدد بالانهيار في أي لحظة، ومع كل فاجعة، تتكرر التعابير نفسها: “قضاء وقدر”، “حادث مؤسف”، ثم يُطوى الملف بانتظار الضحية التالية.
المشكلة أعمق من مجرد انهيار مبنى، إنها أزمة إدارة، وأزمة عدالة اجتماعية، وأزمة مسؤولية. لا وجود لمسح شامل للأبنية المهددة، ولا لخريطة مخاطر واضحة، ولا لآلية تُلزم الجهات المعنية بالتدخل السريع. البلديات عاجزة أو مكبلة، والإدارات المركزية غائبة، فيما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الموت البطيء.
الحل لا يكون بالشعارات ولا بالوعود الموسمية، بل بخطة وطنية عاجلة لإنقاذ من تبقى. خطة تبدأ بمسح هندسي شامل للأبنية القديمة والمتضررة، وتصنيفها بحسب درجة الخطورة، ووضع آلية إخلاء إنساني تحفظ كرامة السكان وتؤمن لهم بدائل سكنية مؤقتة. يلي ذلك إطلاق برامج ترميم مدعومة، وتشديد الرقابة على الأبنية، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تواطؤه.
إن استمرار هذا النزيف الصامت جريمة موصوفة، فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من السقوط تحت بيوتهم، تفقد جوهر وجودها. إنقاذ الفقراء من الأبنية الآيلة للسقوط ليس ترفا ولا خيارا، بل واجب أخلاقي ووطني عاجل، قبل أن يتحول الإهمال إلى سياسة قتل معلنة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى