أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: اختبار بين السيادة والنار

مع دخول الجيش اللبناني إلى زوطر الغربية في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من خطة “المناطق التجريبية”، بدا المشهد وكأنه بداية عملية لاستعادة الدولة حضورها الميداني في الجنوب. غير أن دقائق قليلة كانت كافية لتحويل هذا المشهد إلى اختبار أمني وسياسي بالغ الحساسية، بعدما تعرضت الوحدات العسكرية لإطلاق نار إسرائيلي خلال تنفيذ انتشارها أمس الأول، في رسالة تؤكد أن الطريق إلى تثبيت الاستقرار لا يزال مليئًا بالألغام العسكرية والسياسية.

ولا يمكن النظر إلى ما جرى في زوطر الغربية بوصفه حادثًا ميدانيًا عابرًا، بل باعتباره أول امتحان فعلي للآلية الجديدة التي يُفترض أن تمهد لانسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة. فالنجاح أو الفشل في هذه التجربة سيرسم ملامح المراحل المقبلة، سواء لناحية استكمال الانتشار أو لناحية مصير التفاهمات التي وُضعت لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.

وتحمل زوطر الغربية رمزيةً تتجاوز حدودها الجغرافية، فهي أصبحت نقطة قياس لقدرة الجيش على الإمساك بالأرض في ظروف أمنية شديدة التعقيد، حيث يتداخل العامل العسكري مع الحسابات السياسية والإقليمية. فالجيش وجد نفسه أمام مهمة مزدوجة: تثبيت حضوره على الأرض، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى مواجهة قد تعيد خلط الأوراق وتنسف المسار بأكمله.

كما أن إطلاق النار الإسرائيلي الذي حصل خلال الانتشار يطرح علامات استفهام حول مدى استعداد تل أبيب للسماح بتنفيذ الاتفاق وفق ما هو مرسوم، أم أنها تسعى إلى فرض قواعد اشتباك جديدة تجعل كل خطوة لبنانية خاضعة لاختبارات أمنية متكررة. فإطلاق الرصاص في لحظة يُفترض أنها تمثل بداية مرحلة تهدئة يحمل رسالة واضحة بأن السيطرة الميدانية لن تكون سهلة، وأن أي تقدم سيظل مرتبطًا بموازين القوة وبالضمانات الدولية أكثر من ارتباطه بالنصوص المكتوبة.

وفي المقابل، يدرك لبنان أن نجاح هذه التجربة لا يُقاس فقط بانتشار الجنود، بل بقدرة الدولة على إعادة الحياة الطبيعية إلى القرى، وتأمين عودة الأهالي، وإزالة آثار الحرب، ومنع أي فراغ أمني قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد. فالسيادة لا تتحقق بالانتشار العسكري وحده، بل باستعادة المؤسسات لدورها الكامل، وإعادة بناء الثقة لدى السكان.

وتتجاوز أهمية “المناطق التجريبية” بعدها المحلي، لأنها تشكل مؤشرًا على مستقبل العلاقة بين المسار الأمني والمسار السياسي. فإذا نجحت التجربة، فقد تتحول إلى نموذج يُطبق تباعًا في مناطق أخرى، بما يفتح الباب أمام انسحابات إضافية وانتشار أوسع للجيش. أما إذا تعثرت، فإنها قد تصبح عنوانًا لمرحلة جديدة من المراوحة، يبقى فيها الجنوب رهينة الاشتباكات المحدودة والتوترات الدائمة.

لذلك، فإن زوطر الغربية ليست مجرد بلدة جنوبية شهدت انتشارًا عسكريًا، بل أصبحت عنوانًا لامتحان سيادي حقيقي. فهناك، عند تخوم النار والهدوء، يجري اختبار قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام المبادرة، كما يجري اختبار مدى جدية الالتزامات الدولية في تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني ثابت، بعيدًا عن لغة المدافع والصواريخ التي ما زالت تحكم المشهد الجنوبي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى