أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: أوقفوا تجار الموت

في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ سنوات، تتفاقم يومًا بعد يوم ظاهرة الغش الغذائي داخل عدد من المطاعم والمؤسسات التي يفترض أن تكون حصنًا لصحة المواطن. غير أن الواقع يكشف مشهدًا مقلقًا: لحوم ودجاج وأسماك فاقدة للصلاحية وفاسدة، وزيوت معاد استخدامها أو مغشوشة بخلائط وتلاوين غير صالحة للاستهلاك، فيما يدفع المستهلك ثمنًا صحيًا فادحًا في بلد تغيب فيه الرقابة الصارمة وتتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على التدخل.
لقد كشفت جولات مفتيشي وزارة الصحة أن بعض المطاعم تلجأ إلى شراء لحوم رخيصة الثمن، بعضها مجمّد منذ سنوات، يعاد تذويبها بطرق غير صحية، وفي حالات أخرى، يجري “تبهير” روائح الفساد عبر التتبيلة الحادة لإخفاء تغيّر اللون أو الطعم، فيما يقدم الدجاج المخزن أو المنتهي الصلاحية باعتباره “طازجا”.
أما الأسماك، فأغلب المخالفات تتعلق بإعادة تجميدها بعد ذوبانها، أو استبدال أنواع رخيصة بأخرى يُظنّ أنها ذات قيمة أعلى.
هذه الممارسات ليست مجرد مخالفات تجارية، بل جرائم غذائية تحمل مخاطر التسمّم الغذائي والتهاب الأمعاء والتسمّم الجرثومي وغيرها من الأمراض، اذ ان هناك حالات تسمم كثيرة استدعت نقل المصابين الى المستشفيات.
والأخطر يكمن في الزيوت كزيت الزيتون أو المستخدمة للقلي. فبعض المطاعم ومنها مطاعم توصف بمطاعم الدرجة الأولى تلجأ إلى إعادة استخدام الزيت لعشرات المرات لتوفير الكلفة، او شراء زيوت مغشوشة عن طريق خلطها بتلوينة ما يؤدي إلى تحوّله إلى مركّبات وغالبا ما تكون سامة تتسبب بأمراض خطيرة على المدى الطويل. وفي حالات أخرى، يُخلط الزيت الأصلي بزيوت رديئة أو مجهولة المصدر لا تستوفي أدنى معايير السلامة الغذائية.
تأتي هذه الانتهاكات في وقت تضعف فيه الرقابة نتيجة نقص الموارد وتراجع عدد المفتشين وتشتت الصلاحيات بين المؤسسات المعنية. كما يساهم الغلاء الفاحش في دفع المستهلك إلى خيارات أرخص، ما يشجّع بعض أصحاب المطاعم على الاستفادة من هذا الواقع عبر تقديم أسعار منافسة على حساب الجودة والأمان الغذائي.
ورغم وجود مطاعم عديدة ما تزال تحافظ على معايير صارمة في التخزين والتحضير، فإن انتشار التجاوزات يهدد سمعة القطاع برمته ويزيد من قلق المواطن الذي بات يفتقد إلى الثقة بالوجبات الجاهزة. انطلاقا منا تقدم نناشد الوزارات والجهات المعنية ليس فقط تشديد الرقابة، بل إطلاق حملة وطنية شاملة تفرض معايير إلزامية للتخزين والتحضير وتعلن بوضوح أسماء المخالفين، إلى جانب رفع وعي المستهلك حول حقوقه وكيفية التمييز بين الغذاء السليم والفاسد، واخذ إجراءات صارمة بحق المرتكبين أقلها السجن وعدم الاكتفاء بتوجيه انذار لا يقدم ولا يؤخر، لأن الأمن الغذائي آخر ما ينبغي التساهل فيه، لأنه يتعلق مباشرة بصحة الإنسان وحقه الأساسي في غذاء آمن غير ملوث أو مغشوش.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى