خاصأبرزرأي

اختلاف تحت سقف الدولة

حسين زلغوط, خاص“رأي سياسي”:

اكتسب انعقاد القمة الروحية الإسلامية – المسيحية في دار طائفة الموحدين الدروز أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب توقيتها المتزامن مع الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، بل أيضاً لأنها جاءت في ظل احتدام النقاش الداخلي حول مستقبل البلاد وخياراتها السياسية والأمنية.

وبينما عكست كلمات بعض المرجعيات الدينية تباينات واضحة في النظرة إلى ملف سلاح “حزب الله” ودوره في المرحلة المقبلة، فإن البيان الختامي نجح في إنتاج مساحة مشتركة جمعت المختلفين حول عنوان جامع، هو دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

فالقمة لم تكن مناسبة بروتوكولية عابرة، بل شكلت مرآة دقيقة للواقع اللبناني بكل تناقضاته. فمن جهة، هناك من يرى أن حصر القرار العسكري والأمني بالدولة بات ضرورة ملحة لإعادة بناء الاستقرار واستعادة ثقة المجتمع الدولي. ومن جهة أخرى، ثمة من يعتبر أن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تأخذ في الاعتبار استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، وأن البحث في القضايا الخلافية لا يمكن أن يسبق تثبيت الأمن ووقف العدوان.

ورغم هذه التباينات، بدا واضحاً أن المشاركين أدركوا خطورة المرحلة وحساسية الظروف التي يمر بها لبنان. ولذلك، جاء البيان الختامي بلغة متوازنة تجنبت الانحياز إلى أي من المواقف المتقابلة، وركزت بدلاً من ذلك على أولوية حماية البلاد وتحصين وحدتها الداخلية. فالتأكيد على “تأييد الدولة في سعيها من أجل بلورة حلول تحفظ حقوق لبنان والعمل الحثيث لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار” لم يكن مجرد صياغة دبلوماسية، بل محاولة لبناء أرضية وطنية مشتركة تسمح بإدارة الخلافات من دون تحويلها إلى صراعات تهدد السلم الأهلي.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في ظل الظروف الراهنة، حيث يتعرض لبنان لضغوط عسكرية وسياسية غير مسبوقة. فالحروب لا تستهدف الجغرافيا فقط، بل تضرب أيضاً تماسك المجتمعات ووحدة مواقفها. ومن هنا جاءت رسالة القمة لتؤكد أن الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني يشكل شرطاً أساسياً لمواجهة التحديات الخارجية، وأن الانقسام الداخلي يمنح خصوم لبنان فرصة إضافية لفرض شروطهم أو استثمار نقاط الضعف في بنيته السياسية.

كما عكست القمة أيضاً إدراكاً متزايداً لدى المرجعيات الروحية بأن دورها لا يقتصر على الجوانب الدينية أو الرعوية، بل يمتد إلى المساهمة في حماية الاستقرار الوطني ومنع الانزلاق نحو مزيد من الاستقطاب. فالمرجعيات الدينية، بما تمثله من رمزية وتأثير معنوي، تستطيع لعب دور الوسيط الذي يخفف من حدة الانقسامات ويشجع على الحوار بين المكونات المختلفة.

وفي نظرة تحليلية لواقع الأمر، يمكن النظر إلى القمة الروحية بوصفها محاولة لإعادة توجيه البوصلة الوطنية نحو الأولويات الكبرى: وقف الحرب، حماية لبنان، وتعزيز دور الدولة. فصحيح أن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة، وأن القضايا الشائكة لم تجد حلولها بعد، إلا أن مجرد الاتفاق على لغة مشتركة في هذه الظروف المضطربة يشكل بحد ذاته مؤشراً إيجابياً. فلبنان، الذي يواجه أخطاراً متزايدة، يحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من توافق سياسي عابر؛ يحتاج إلى إرادة جماعية تحصن وحدته الداخلية وتمنع تحول الاختلافات المشروعة إلى انقسامات مدمرة. وفي هذا المعنى، بدت القمة الروحية رسالة واضحة مفادها أن الحوار لا يزال ممكناً، وأن الدولة تبقى الإطار الجامع القادر على استيعاب التباينات وصون حقوق اللبنانيين جميعاً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى