رأي

“ابن سلمان لن ينسى”.. إحجام ترامب عن قتال الحوثيين يثير قلق السعودية

جيمس بوليتي وستيف شافيز وأندرو إنجلاند – صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية:

لقد عزز التردد الأميركي الشكوك في الرياض بشأن موثوقية واشنطن بصفتها شريك الدفاع الأول للمملكة.

أضاف إحجام دونالد ترامب عن الانضمام إلى الصراع السعودي مع المتمردين الحوثيين في اليمن مزيداً من التوتر إلى علاقة واشنطن بالرياض، وهي علاقة اهتزت بالفعل بسبب طريقة إدارة الولايات المتحدة حربها مع إيران.

وفي ظل الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار البنزين وعدم شعبية الصراع مع طهران، امتنع الرئيس الأميركي حتى الآن عن اتخاذ إجراء عسكري جديد لمساعدة السعودية في جهودها لسحق هجوم الحوثيين واعتداءاتهم على البنية التحتية للمملكة.

لكن تردد ترامب يهدد بإثارة توترات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ويعمّق الشكوك بشأن موثوقية واشنطن بوصفها الشريك الدفاعي الرئيسي للرياض.

وقالت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: “الولايات المتحدة مترددة، وفي نهاية المطاف فإن قرارها، في الوقت الراهن على الأقل، بعدم الانضمام إلى السعوديين لا يفعل سوى ضخ مزيد من التوتر في العلاقة الثنائية”. وأضافت: “إنه يثير مزيداً من المخاوف لدى السعوديين بشأن الدور الذي يمكنهم الاعتماد على الولايات المتحدة للقيام به”.

وقالت الفريق المتقاعد كارين غيبسون، المديرة السابقة للاستخبارات في القيادة المركزية الأميركية: “محمد بن سلمان لن ينسى هذا”، مضيفة أنّ تردد الإدارة يثبت أنّ “الولايات المتحدة لن تقاتل بالضرورة عندما تعتقد السعودية أن مصالحها الحيوية مهددة”.

اقرأ أيضاً: “Responsible Statecraft”: عندما تدرك السعودية أنها راهنت على الحصان الخاسر
وفي مناقشات جرت مؤخراً، طلبت السعودية من الولايات المتحدة شن ضربات جوية ضد الحوثيين المدعومين من إيران، على ألا تكون مجرد ضربة لمرة واحدة، وفق شخص مطلع على الأمر، لكن واشنطن ردت بأنها لن تشارك. ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق.

ويمثل الاحتكاك بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن التحرك المشترك ضد الحوثيين فصلاً جديداً في العلاقة المتقلبة أحياناً بين ترامب ومحمد بن سلمان، والتي تراوحت بين لحظات من المديح المتبادل المفرط والاحتكاك.

وكان ترامب قد خصّ الأمير محمد بالذكر خلال خطاب ألقاه في مؤتمر استثماري استضافته السعودية في ميامي في آذار/مارس. وفي البداية، امتدح ولي العهد السعودي، واصفاً إياه بأنه “صديق عظيم” و”فائز” و”محارب”.

لكن بعد 20 دقيقة، قال ترامب إن الأمير محمد “لم يكن يعتقد أنه سيقبّل مؤخرتي”، في مثال على السلوك الفظ وغير المتوقع للرئيس الأميركي.

وخلال الحرب مع إيران، تعرضت السعودية لعدة هجمات على بنيتها التحتية نتيجة الضربات الإيرانية الانتقامية، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي المؤدي من الخليج وإليه.

وفي أيار/مايو، أوقف ترامب بصورة مفاجئة خطة عسكرية أميركية لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق، بعدما أبلغت السعودية واشنطن بأنها لن تسمح للطائرات الحربية الأميركية باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي في العملية. وكانت الرياض قلقة من أن العملية سيئة التخطيط وقد تؤدي إلى هجمات أكبر على الخليج.

ثم أعاد الحوثيون الرياض إلى صراع طالما سعت إلى الخروج منه، بعدما أعلنوا حصاراً على الموانئ السعودية في تموز/يوليو، وهاجموا ناقلات وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة على المملكة.

وخلال الأسبوعين الماضيين، صعّد المتمردون هجماتهم، مستهدفين منشآت نفطية سعودية في جنوب المملكة، وشنّوا هجوماً خاطفاً على امتداد ساحل البحر الأحمر في اليمن، دفع الفصائل المدعومة من السعودية والمتحالفة مع الحكومة اليمنية إلى التراجع، وعزّز سيطرتهم على مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي للشحن الدولي.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أطلق الحوثيون صاروخاً باليستياً على الرياض، العاصمة السعودية، للمرة الأولى منذ استئناف الصراع. ويكافح الأمير محمد، الذي كان، شأنه شأن قادة خليجيين آخرين، قد حذّر ترامب من خوض حرب مع إيران، الآن لاحتواء أزمة تهدد بتقويض خططه الطموحة لتحويل بلاده إلى مركز إقليمي للمال والتجارة والسياحة.

وفي حين شنت الولايات المتحدة حملات عسكرية ضد الحوثيين في عهد كل من ترامب وجو بايدن، رداً على هجمات المسلحين على السفن التجارية في البحر الأحمر، تتعامل إدارة ترامب الآن مع موارد مستنزفة ومخزونات ذخيرة متناقصة، فضلاً عن التداعيات السياسية للاضطرابات في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: “التلغراف”: إيران أثبتت قدرتها على إخراج الولايات المتحدة من “الشرق الأوسط”
وقالت ليز دنت، الزميلة البارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “سيكون من الصعب جداً على ترامب الانخراط في جبهة أخرى من هذه الحرب” قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر.

لكنها قالت إن من “الممكن جداً أن يكون [محمد بن سلمان] قد بدأ يخفض مطالبه تدريجياً، وأن يرى ترامب في مرحلة ما شيئاً يمكنه تنفيذه سياسياً”.

وأضافت دنت، التي شغلت سابقاً منصب مديرة شؤون الخليج وشبه الجزيرة العربية في مكتب وزير الدفاع: “هناك أمور كثيرة تجري خلف الكواليس وتحافظ على تماسك هذه العلاقة”.

وفي حين لا تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً بصورة مباشرة لدعم العمليات السعودية ضد الحوثيين، فإنها لا تزال تزود المملكة بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية، ما يحد من تداعيات الخلاف على العلاقة. كما تمتلك السعودية أنظمة دفاع جوي أميركية. وفي الأسبوع الماضي فقط، وافقت إدارة ترامب على صفقة محتملة بقيمة 24.3 مليار دولار لبيع مقاتلات “إف-35” للسعودية، رغم أن تسليمها سيستغرق سنوات.

وقال محلل سعودي طلب عدم الكشف عن اسمه: “هناك قدر من الإحباط، لكن هناك أيضاً إدراكاً بأن هذه هي طبيعة [ترامب]”. وأضاف: “السعودية تمتلك كل القدرة على قصف كل شيء، والولايات المتحدة تزودنا بمعلومات الاستهداف التي نحتاج إليها”.

وقال المحلل إن مشاركة الطائرات الأميركية مع ذلك “كان يمكن أن تكون رمزية في الأيام الأولى [للحرب] وأن ترفع معنويات المقاتلين اليمنيين”.

وقال أسعد الشملان، من معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، إن العلاقات بين الرياض وواشنطن لا تزال “في حالة جيدة جداً”. لكنه أشار إلى أنه في حين يُنظر إلى الحوثيين في الولايات المتحدة وأوروبا “بصورة أساسية” على أنهم مشكلة سعودية، يُنظر إليهم في الرياض أكثر على أنهم “تحدٍّ دولي”.

وقال: “يمكن للتوتر بين هذين التصورين أن يفسر الكثير بشأن رغبة السعوديين في أن يتحمل الآخرون مسؤولية أكبر، وتردد الآخرين في الانخراط”.

وبعد أن حطم الحوثيون هدنتهم التي استمرت أربع سنوات مع السعودية، أجرت إدارة ترامب محادثات مع الجماعة المتمردة بوساطة عُمانية. وقال مسؤول من الجماعة لوكالة “أسوشيتد برس” إن الحوثيين يستهدفون السفن السعودية فقط، ولن يهاجموا السفن الأميركية أو الدولية الأخرى. كما أصر ترامب على أن الحوثيين وافقوا على عدم استهداف أهداف أميركية.

اقرأ أيضاً: “الغارديان”: مع تراجع الثقة بواشنطن.. القوى المتوسطة تعيد رسم خريطة التحالفات العالمية
لكن يعقوبيان قالت إن ذلك “لا يعزز كثيراً الثقة في الشراكة” إذا كانت السعودية “ستُترك وحدها لأن الأصول الأميركية ليست مهددة حالياً بهذا الهجوم الحوثي”.

وقال فراس مقصد، المدير الإداري لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “أوراسيا غروب”، إن “التوتر أمر لا مفر منه” في ظل تراجع واشنطن عن دورها التاريخي بوصفها الشريك الأمني الرئيسي للخليج.

وأضاف: “المساحة التي تتركها خلفها ستخلق فرصاً للمنافسين الاستراتيجيين”. وقال: “تعمل الرياض على تنويع شركائها الأمنيين، فيما تحاول التوصل إلى صيغة تعايش غير مريحة مع طهران. وقد يؤدي التوتر في علاقتها مع واشنطن إلى تسريع هذه العملية”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى