رأي

إسرائيل بين لحظتين: بريتوريا 1990 وتل أبيب 2026

باسم الزبيدي – العربي الجديد:

أعلنت 12 دولة غربية، بينها بريطانيا وكندا وفرنسا، أخيراً، عزمها فرض عقوبات تجارية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة جاءت على خلفية تصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية في الأراضي المحتلة. واللافت أن لندن نفسها لم تكتفِ بالإعلان عن حظر تجاري، بل ذهبت إلى وصف ما يجري في الضفة الغربية بأنه “تطهير عرقي” بالحرف، وهو توصيف نادراً ما استخدمته حكومة بريطانية رسمياً بشأن إسرائيل من قبل. وقد أثار هذا الإعلان، الصادر عن دول ظلت عقوداً حريصة على عدم إغضاب تل أبيب، موجة من التفاؤل، وترديداً متزايداً لعبارة باتت شبه جاهزة: إن فلسطين ستصبح جنوب أفريقيا التالية، وأن إسرائيل تسير نحو المصير الذي آل إليه نظام الفصل العنصري هناك. لكن هل لهذا التفاؤل ما يبرّره فعلاً؟ وهل تكفي حزمة عقوبات تجارية محدودة، تطاول المستوطنات من دون أن تمسّ إسرائيل نفسها، لإحداث التحوّل الذي احتاجت جنوب أفريقيا عقوداً من العزلة الشاملة كي تبلغه؟

الإجابة عن هذا السؤال تستدعي التوقف أولاً عند مغالطة كامنة في عبارة “جنوب أفريقيا التالية” نفسها، وكأن التاريخ يكرّر نفسه تلقائياً إن انتظرنا بما يكفي. الحقيقة أقسى وأكثر إفادة في آن: جنوب أفريقيا لم “تسقط” لأن العالم ملّ من مشاهدة الظلم، بل لأن حركة التحرّر هناك صنعت، بوعي وصبر استمر أربعة عقود، الشروط التي جعلت العالم عاجزاً عن الاستمرار في التغاضي. والفارق بين الانتظار السلبي والتحرر الفعلي هو بالضبط هذا الوعي الاستراتيجي. فماذا بالتحديد فعلت حركة مانديلا؟ وأي جانب من تجربتها يصلح لفلسطين كما هو؟ وأي جانب آخر يحتاج إعادة اختراع، لأن العالم تغيّر والخصم يختلف؟

ولنبدأ بما ينبغي تقليده حرفياً، لأنه ما زال يعمل. الدرس الأول والأخطر أن الحكومات لا تتحرّك أولاً، بل تُجَرّ مُكرَهة خلف مجتمعاتها. الكونغرس الأميركي لم يُعاقب بريتوريا لأن رئيسها ريغان اقتنع فجأة، بل لأن حرم الجامعات الأميركية امتلأ باعتصامات مطالبة بسحب استثمارات الجامعات، ولأن كنائس ونقابات ومجالس بلدية بأكملها قاطعت الشركات العاملة في جنوب أفريقيا سنواتٍ قبل أن يجرؤ الكونغرس على تجاوز فيتو رئيسه. بعبارة أخرى: الضغط الشعبي من تحت هو الذي يصنع لاحقاً الغطاء السياسي من فوق. وهذا بالضبط ما نراه اليوم يتشكّل بالفعل حول فلسطين: مقاطعة يوروفيجن، توقيع أكثر من ألف فنان على عريضة، احتجاجات الجامعات، تجميد صفقات، وهو ليس “ضجيجاً” هامشياً كما يصوّره خصومه، بل بالضبط النمط الذي سبق كل تحول سياسي رسمي حصل في التاريخ الحديث. والمطلوب فلسطينياً هنا ليس اختراع شيء جديد، بل تغذية هذا الزخم القائم بالفعل: تزويده بمعلوماتٍ موثّقة، بمتحدّثين مقنعين، بحملات مركّزة على أهداف اقتصادية محدّدة، بدل شعارات عامة يسهل تجاهلها.

والدرس الثاني بساطة الرسالة القاتلة. لم يكن شعار الحركة الجنوب أفريقية “إنهاء نظام معقد من التمييز البنيوي متعدد الطبقات”، بل خمس كلمات: “صوت واحد لكل إنسان”. هذه البساطة هي التي جعلت طالباً أميركياً في التاسعة عشرة لا يعرف شيئاً عن أفريقيا، يفهم القضية في ثانية واحدة ويقف إلى جانبها. القضية الفلسطينية تُروى غالباً بلغة تقنية- قانونية وتاريخية تُنتج ارتباكاً لا تعاطفاً. والرسالة التي تُختصر إلى “لا حرية بلا مساواة، ولا مساواة تحت احتلال” أقرب إلى الطراز الذي نجح، وهي فعلياً ما بدأت شبكات التضامن العالمية الشابة تتبنّاه من تلقاء نفسها حين تصف ما يحدث بكلمتي “أبارتهايد” و”إبادة” المفهومتين عالمياً بدل مصطلحات تفاوضية معقدة.

لا يمكن استعارة نموذج التحرّر الجنوب أفريقي من دون حل معضلة التمثيل الموحد التي حلّتها جنوب أفريقيا، قبل أن تربح معركتها الدولية لا بعدها

والدرس الثالث هو التحضير الجاد لـ”اليوم التالي” قبل وقوعه لا بعده. لم يكن المؤتمر الوطني الأفريقي مجرّد حركة احتجاج وهو في المنفى، بل كان يبني بصمت وعلى مدى سنوات برامج حكم بديلة وكوادر إدارية وخطاباً مطمئناً للأقلية البيضاء بأن التحرّر لن يعني انتقاماً بل مواطنة متساوية. وهذا الاطمئنان المسبق هو ما نزع فتيل أكبر ذريعة يستخدمها كل نظام قمعي لتبرير استمراره: الخوف مما سيحدُث لو رحل.

لكن من يبسّط المقارنة أكثر من اللازم يقع في فخ تجاهل ثلاثة فوارق جوهرية تفصل بريتوريا الثمانينيات عن تل أبيب اليوم. أخطرها مناخ العالم بعد “11 سبتمبر” (2011): فكلمة “شيوعية” في الثمانينيات كانت تخيف الغرب أقل بكثير مما تخيفه اليوم كلمة “إرهاب”. ولهذا لم يكلّف الجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي الحركة الكثير من شرعيتها الدولية آنذاك، بينما أي عملية مسلحة اليوم تكلّف القضية الفلسطينية جزءاً كبيراً من شرعيتها أمام الرأي العام الغربي نفسه الذي نحتاج تعاطفه. وهذا لا يعني الحكم الأخلاقي على أي خيار، بل ملاحظة استراتيجية باردة: المعركة التي يصعب على الخصم تشويهها إعلامياً هي المقاومة المدنية الجادّة وغير الشعاراتية الموثّقة والتقاضي الدولي، وهذا تحديداً ما يحقق اليوم أعلى عائد فعلي: تقرير لجنة التحقيق الأممية، دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، شهادات منظّمات حقوقية إسرائيلية نفسها.

والفارق الثاني، وهو الأكثر إيلاماً لأنه داخلي بحت: جنوب أفريقيا واجهت العالم بصوتٍ واحد. المؤتمر الوطني الأفريقي كان الممثل شبه الوحيد الذي يعرفه العالم ويتعامل معه، وكان مانديلا رمزاً واحداً يسهل التماهي معه. أما فلسطين فتواجه العالم اليوم بصوتين متناقضين يتنازعان الشرعية والتمثيل، وهو ما يمنح الخصم فرصة ذهبية ليقول للعالم: من أخاطب؟ ومن يضمن أن أي اتفاق سيُحترم؟ وهذا ليس تفصيلاً هامشياً، بل جوهر معضلة التمثيل نفسها: لا يمكن استعارة نموذج التحرّر الجنوب أفريقي من دون أولاً حل معضلة التمثيل الموحد التي حلّتها جنوب أفريقيا، قبل أن تربح معركتها الدولية لا بعدها.

النموذج الجنوب أفريقي لا يُستورد جاهزاً، بل يُستخرج منه المبدأ ويُعاد بناؤه بأدوات هذا العصر

والفارق الثالث هو الراعي الأعظم نفسه. ريغان وتاتشر عارضا العقوبات على بريتوريا، لكنهما كانا يقودان أنظمةً تملك مؤسّسات قادرة على تجاوزهما فعلياً حين ينضج الرأي العام والمصالح الاقتصادية. أما واشنطن اليوم، كما رأينا حرفياً قبل أيام، حين حذّرت بريطانيا من “عواقب اقتصادية” لمعاقبتها إسرائيل، فما زالت الحائط الأخير الذي يمتصّ كل الضغط قبل أن يصل. وهذا يعني أن نقطة الاستثمار الاستراتيجي الأهم للفلسطينيين وحلفائهم اليوم ليست أوروبا التي تتحرّك فعلاً، بل الداخل الأميركي نفسه: الشارع الأميركي الشاب، والناخبون الديمقراطيون الشباب الذين انقلب رأيهم فعلاً من التعاطف بنسبة الأغلبية إلى الرفض بنسبة الأغلبية خلال ثلاث سنوات فقط، لأن هذا بالضبط هو المكان الذي حصل فيه الانقلاب الحاسم في القصة الجنوب أفريقية: داخل الكونغرس الأميركي نفسه لا خارجه.

خلاصة القول إن النموذج الجنوب أفريقي لا يُستورد جاهزاً، بل يُستخرج منه المبدأ ويُعاد بناؤه بأدوات هذا العصر: تغذية زخم المقاطعة الشعبية القائم فعلاً بدل الاستهانة به، تبسيط الرسالة إلى مبدأ أخلاقي واحد لا مفاوضات تقنية، الاستثمار في الجبهة القانونية والحقوقية، لأنها الأقل قابلية للتشويه، بناء مؤسّسات “اليوم التالي” الآن بدل انتظار الانهيار، والأهم من ذلك كله: حسم مسألة التمثيل الموحد فلسطينياً، لأن كل يوم يستمر فيه الانقسام هو يوم إضافي يمنحه الفلسطينيون مجّاناً لكل من يريد تبرير استمرار الوضع القائم.

ليست العقوبات التي أعلنتها 12 دولة نهاية الطريق، بل أول حجر في جدار لم يُبنَ بعد؛ وبناء ما تبقى منه ليس مهمة الآخرين، بل مهمة الفلسطينيين أنفسهم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى