أوروبا تواصل معاندة ترامب: بحثاً عن مسار ثالث

مع فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران، تواصل أوروبا رسم خطّ مغاير لها، مطلِقةً مبادرات دبلوماسية لحماية مصالحها وتجنّب انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية شاملة
سعيد محمد – الأخبار:
بينما شرعت القوات البحرية الأميركية في تنفيذ أوامر الرئيس دونالد ترامب بفرض حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية، اختار حلفاء الولايات المتحدة التقليديون، وفي مقدّمتهم بريطانيا وفرنسا، الوقوف على مسافة واضحة من هذه الخطوة. وفضّلت غالبية العواصم الأوروبية مساراً دبلوماسياً وتقنياً مستقلاً، يهدف إلى حماية مصالحها الاقتصادية الحيوية، وتجنّب الانجرار إلى صراع عسكري مفتوح يفتقر إلى الشرعية الدولية الواضحة.
وترمي واشنطن إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على طهران، خاصة بعدما أسفرت جولة المفاوضات المباشرة في إسلام آباد عن نتائج محدودة. وفي هذا الإطار، أعلنت الإدارة الأميركية سريان حصار يشمل جميع السفن المتّجهة من وإلى إيران، بغضّ النظر عن جنسياتها، مع تهديد مباشر باستهداف أيّ قطع بحرية إيرانية تقترب من نطاق العمليات. وتزامن ذلك التصعيد مع ارتفاع قياسي في أسعار النفط العالمية، بتجاوز سعر برميل برنت حاجز المئة دولار، وهو ما أثار مخاوف عالمية من موجة تضخمية جديدة. غير أن واشنطن ترى أن فرض السيطرة على «هرمز»، الممرّ المائي الاستراتيجي، واستعادة حرية الملاحة، يتطلّبان إجراءات حازمة تضع حدّاً نهائياً لنظام الرسوم الذي شرعت طهران في فرضه على ناقلات النفط خلال الأسابيع الماضية.
وفي المقابل، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، امتناع بلاده عن دعم الحصار البحري، واصفاً هذا القرار بأنه خيار استراتيجي يحمي بريطانيا من الدخول في صراع عسكري مباشر يفتقر إلى غطاء قانوني دولي واضح. ويرى الجانب البريطاني أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لخفض التصعيد وحماية تدفّقات النفط والغاز والكيمياويات عبر الوسائل الدبلوماسية، وليس عبر القوة العسكرية.
من جهته، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن مبادرة مشتركة مع المملكة المتحدة لتشكيل بعثة بحرية «دفاعية صرفة». وبحسب صحف بريطانية، فإن هذه البعثة تهدف إلى تأمين الملاحة التجارية في مضيق هرمز، ولكن بعد التوصّل إلى اتفاق لوقف شامل للعمليات القتالية. وتصرّ باريس على أن تكون تلك القوة مستقلّة تماماً عن أطراف النزاع الحالي، مع تركيز مهمتها على حماية السفن غير المنخرطة في الصراع.
وقرأ مراقبون في المواقف البريطانية – الفرنسية محاولة أوروبية لإيجاد نوع من تحالف «أطلسي مُصغّر» يتحرك خارج المظلّة العسكرية الأميركية المباشرة. وفي ظلّ تلك المحاولة، تُظهِر إيران، من جهتها، مرونة دبلوماسية لافتة، ساعيةً لاستغلال هذا التباين في المواقف الغربية لتعزيز موقعها التفاوضي. وأجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، سلسلة اتصالات مُكثّفة مع نظرائه الأوروبيين والعرب، أطلعهم خلالها على تفاصيل «المبادرات البنّاءة» التي تقدّمت بها بلاده بشأن برنامجها النووي وإدارة مضيق هرمز خلال مفاوضات إسلام آباد. ويبدو أن الدبلوماسية الإيرانية تريد إعادة إشراك الدول الأوروبية التي تمّ تهميشها في الملفّ الإيراني لأكثر من عام من قبل إدارة ترامب، في رهان على أن حاجة القارة الماسّة إلى استقرار أسعار الطاقة وتجنّب حرب شاملة، ستصبح رافعة ضغط مؤثّرة على البيت الأبيض لتقديم تنازلات في ملفّ العقوبات.
على أن ممّا يزيد تعقيدَ المشهد، مشروع قانون يُنظر أمام مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، يقضي بفرض رسوم عبور على جميع السفن التجارية في المضيق، وليس ناقلات النفط فقط، مع إمكانية تسديد هذه الرسوم بالعملات المشفّرة للالتفاف على العقوبات المالية الأميركية. وتهدف إيران من وراء هذا المشروع إلى تحويل سيطرتها الفعلية على المضيق إلى مصدر دخل يعوّضها تأثير العقوبات، وهو ما طرحه المفاوضون الإيرانيون بالفعل في جولة إسلام آباد كأساس لنظام جديد لإدارة الممرّ المائي، فيما أشارت بعض التقارير إلى أن أوساطاً في صناعة النفط بدأت تتعايش مع فكرة دفع رسوم رمزية (مثل دولار واحد للبرميل) مقابل ضمان عبور آمن.
في المقابل، تصرّ الولايات المتحدة على أن أيّ نظام للرسوم يشكّل «إرهاباً اقتصادياً» ويقوّض مبدأ حرية الملاحة، في حين يؤدي التمنّع الأوروبي عن دعم الحصار إلى زيادة حدّة التوتر مع إدارة ترامب، التي لوّحت مجدّداً بإمكانية تقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة العجوز أو مراجعة الالتزامات الدفاعية في إطار «حلف شمال الأطلسي» (ناتو). وعلى الرغم من أن الأمين العام للحلف، مارك روته، يطالب بتعهّدات ملموسة من الدول الأعضاء لتأمين المضيق، تصرّ الدول الأوروبية الفاعلة على ربط أيّ مشاركة عسكرية بوجود اتفاق سياسي شامل يضمن عدم تحوّل بعثتها إلى هدف لإيران. وتشير تقارير متقاطعة إلى وجود انقسام حادّ داخل «الناتو» بشأن شرعية الحصار الأميركي؛ تعتبر غالبية الدول الأوروبية أن هذه الخطوة تزيد من مخاطر نشوب حرب شاملة تهدّد أمن الطاقة العالمي، فيما تحاول دول من مثل ألمانيا وإيطاليا – التي تتمتّع قياداتها بعلاقات خاصة مع ترامب -، الموازنة بين الضغوط الأميركية والمخاوف الداخلية من ارتفاع تكاليف المعيشة وتضخّم فواتير الطاقة التي كلّفت دول الاتحاد مبالغ طائلة قدّرتها رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بنحو 22 مليار يورو إلى الآن.
وفي خضمّ تلك التداعيات، تدرك طهران أن عامل الوقت يحالفها؛ فكلّ يوم يمرّ والمضيق مُغلق يزيد الضغط الاقتصادي على الغرب، ويجعل من ورقة الطاقة سلاحاً ماضياً قد يجبر واشنطن في النهاية على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر تعقّلاً. وأياً يكن، فالأكيد أن أيّ اتفاق مستقبلي حول المضيق يجب أن تكون إيران طرفاً فيه، وقد يستلزم تقديم تنازلات منظّمة في نظام العقوبات الدولية مقابل إدارة مشتركة للممرّ المائي تتضمن آليات تفتيش مشتركة ومرافقة بحرية تشارك فيها إيران وشركاء إقليميون.
أمّا أوروبا، فستكشف الأيام القليلة القادمة مدى قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأميركية، ومدى نجاح دبلوماسية «المنطقة الرمادية» التي تقودها باريس ولندن في تجنيب العالم مواجهة عسكرية شاملة في أهمّ ممرّ مائي في العالم، وما إذا كان المؤتمر الدولي المُنتظر سينجح في حشد دعم واسع لبعثة السلام المقترحة.




