رأي

أوروبا الحكيمة.. وكبرياء القوة الأمريكية

صلاح سالم – الخليج:

انشغل الربع الأول من القرن العشرين بمصير الغرب، وسادت نزعة تشاؤمية حول مستقبله كحضارة لدى العديد من فلاسفة التاريخ، خصوصاً لدى أوزوالد اشبنجلر، بذريعة الحرب العالمية الأولى. وفي أعقاب الحرب الثانية بدا مصير أوروبا كئيباً، يخيم عليه الموت والخراب. غير أن ثمة فائض قوة كان لا يزال في غرب الغرب، أي في الولايات المتحدة، تلك الدولة الفتية التي دخلت الحرب متأخرة وحسمتها بضربة نووية قاصمة، من دون أن تُمس أراضيها، بل خرجت من الحرب عملاقاً يرتاد أفق الثورة الصناعية الثانية، يستحوذ على 40% من الاقتصاد العالمي، ونحو 20% من القوة العسكرية والاستراتيجية. اليوم، يبدو العالم منشغلاً بمستقبل الولايات المتحدة نفسها، التي وصفها إيمانويل ولارشتاين، الباحث الأمريكي الشهير في دراسة النظم العالمية، بأنها إمبراطورية تنهار بالفعل، حيث تقلص نصيبها من الناتج العالمي في 2002 إلى نحو 22% عبر أربع مراحل أساسية وهي: حرب فيتنام التي أهدرت كثيراً من القوة الاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة. وثورات الشباب عام 1968 ضد الهيمنة التقليدية على العالم. والانهيار السوفييتي الذي لم تكن مستعدة له بسياسات تضبط الواقع الدولي. وأحداث 11 سبتمبر التي كشفت عن الفشل في توقع وتوقي المخاطر الكبرى، قبل أن ينخفض هذا الناتج إلى نحو 18%، بتأثير حروب أمريكا الممتدة والمعقدة في العراق وأفغانستان، وصولاً إلى إيران، مع صعود الناتج العالمي للصين.
اليوم، إذ تهتز عجلة القيادة العالمية في يدي الولايات المتحدة، يزداد اضطرابها، وتصبح خطراً على العالم، الأغلب أن يمتد تأثيره لعقود قادمة، قبل أن يفرض الواقع الجديد نفسه، وتقبل هي بمشاركة آخرين لها في الأدوار التي كانت حكراً عليها، ذلك أن الهبوط الاستراتيجي والحضاري له مسارات وتقاليد، كما أن للصعود مسارات وتقاليد، كي لا يكون التحول دموياً أو مدمراً. فمثلاً، ورثت أمريكا الهيمنة عن بريطانيا العظمى بعد سيادة إمبراطورية شاملة طوال العصر الفيكتوري (1837 1901)، كانت بريطانيا خلالها سيدة البحار والمحيطات. تنازلت بريطانيا مضطرة عن هيمنتها أعقاب الحرب الثانية تحت ضغط حركات التحرر القومي التي حرمتها من جل مستعمراتها في أربعة أنحاء العالم، ولم تترك لها سوى جسد ضعيف من جغرافيا ربع مليونية قوامها جزر متعددة، لكنها تنازلت بسلاسة معقولة لم يشبها مغامرات كبيرة سوى مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر 1956. أسهم في ذلك أنها تنازلت عن مسرح هيمنتها لصالح ربيبتها الأنجلوسكسونية، فوريثها الشرعي جاء من صلبها الحضاري. أما تنازل أمريكا عن هيمنتها فسيكون عاصفاً لفارقين أساسيين، أولهما هو أن جسدها لا يزال قوياً، نحو أربعين ضعف الجسد البريطاني، فهي قارة غنية بالموارد الطبيعية، لم تُهزم في حرب قط على أرضها، ولم تكن لديها مستعمرات بالمعنى الكلاسيكي كي تفقدها، فما استعمرته طوال القرن التاسع عشر على حساب كوبا والمكسيك وإسبانيا جرى هضمه وضمه إلى الاتحاد الأمريكي. وثانيهما هو أن تراجعها سيكون أمام قطب حضاري مغاير يقبع على رأس عالم آسيوي يتسم بديناميكية واضحة، وجغرافيا طبيعية وبشرية ضخمة، امتلك التكنولوجيا المتقدمة، ومعها كل أدوات التحديث المادي وصولاً إلى قوة السلاح وكثافة النيران في البر والبحر والجو، إنه التنين الصيني.
وهنا تزداد حدة الخوف من أن يغطى كبرياء القوة على حكمة التاريخ، وتتحول أمريكا إلى أسد جريح، يرفض مغادرة المسرح، أو الهبوط بعض الدرجات على سلمه، بما يثيره ذلك من اضطرابات تورط أصدقاء أمريكا قبل منافسيها، في صراعات مفتعلة، ليست الحرب الروسية الأوكرانية إلا باكورتها. فأوروبا التي اعتمدت كثيراً على نفط وغاز روسيا، لم يكن يعنيها تمدد حلف الأطلسي إلى حد الإحاطة بالخصر الروسي، إلى درجة اضطرتها للدفاع عن نفسها بالهجوم على أوكرانيا. وهكذا وجدت أوروبا نفسها داخل دائرة اضطراب متزايد، دفع بعض دولها إلى التخلي عن حياده التاريخي وطلب الانضمام للناتو كالسويد وفنلندا، وبعضها الآخر للعودة إلى الاستثمار الكبير في التسلح، وربما استعادة الروح العسكرية المتطرفة كألمانيا.
وهنا تتبدى لنا المفارقة التاريخية، حيث تتبدل المواقع بين أوروبا والولايات المتحدة في اتجاه عكسي لما كان عليه الأمر عند منتصف القرن العشرين. فبعد أن كانت أمريكا هي المدافع الأبرز عن حكمة الغرب ضد السياسات الإمبريالية والتحالفات العدوانية، التي ورطت أوروبا في حربين كبريتين هددتا مكانتها وسمعتها. كما أدت الدور الأبرز في إنقاذها اقتصادياً عبر مشروع مارشال، وعسكرياً من خلال حلف الناتو، أصبحت أوروبا الآن هي الطرف المطالب بالدفاع عن حكمة الغرب، أي عن قيم الأمن والسلام والتعايش، ضد حالة المروق التي تعيشها أمريكا، بإعادتها إلى منطق الجغرافيا الاقتصادية القائم على سياسات الاندماج والعمل الجماعي وتوازن المصالح، بعيداً عن منطق الجغرافيا السياسية، المهجوس بمفاهيم السيادة والأمن، الذي أخذت تتحرك نحوه باندفاع شديد، معصوبة العينين، كبطل ملحمي في أسطورة إغريقية، يندفع إلى مصيره المحتوم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى