أميركا بين ثيودور وفرنكلين روزفلت

كتب كمال الخرس في صحيفة الراي.
لقد اعتقد البعض بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو مجرد رجل أعمال وسيتعامل مع الرئاسة بلغة الصفقات التي هي ديدن رجال الأعمال. وأصبح ضحية هذا الاعتقاد الخاطئ أو التوهم الحالم دول وقيادات على الرغم من وضوح مواقفه وأعماله في مناسبات عدة في فترة رئاسته الأولى من دعمه للقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل وحروبه التجارية مع الصين التي تتعارض مع سياسات التجارة العالمية الحرة، وعمليات الاغتيال المباغتة لبعض الزعامات العسكرية لدول مناوئة وهو ما أشار إليه في سياق حديثه عن الهجمة على فنزويلا.
لم يلحظ كثيرون أن الرئيس الأميركي وفي دعوته ووعوده بجعل أميركا قوية مرة أخرى يستدعي «العصى الغليظة» للرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة ثيودور روزفلت، الذي يقول «تحدث بهدوء واحمل عصا غليظة.»
ثيودور روزفلت، واحد من أهم رؤساء أميركا الذي سعى إلى تطوير البحرية الأميركية والذي أدرك أهمية السيطرة على البحار لتملك النفوذ الأكبر في العالم.
لقد استطاع روزفلت وهو الرئيس وعالم الأحياء أن يقوم بما تمناه ووضع أسسه ولكن لم يستطع تحقيقه الرئيس الخامس جيمس مونرو، في «مبادئ مونرو» الأربعة الشهيرة والتي من ضمنها اعتبار أي تدخل جديد للقوى الاستعمارية الغربية في نصف الكرة الغربي أي الأميركتين وبحارهما وجزرهما سيتم النظر إليه من قبل الولايات المتحدة بأنه عمل عدائي لأميركا.
أن تدخل الإدارة الأميركية الحالية عسكرياً في فنزويلا واقتيادها لرئيسها نيكولاس مادورو وزوجته مخفورين إلى الولايات المتحدة تحت تهم «الإرهاب والمخدرات»، وإعلانه السيطرة على فنزويلا وإدارة شؤونها وإدارة ثرواتها النفطية في الوقت الحالي، ثم تهديده لرؤساء كولومبيا والمكسيك المجاورة إن لم يغيروا سياساتهم تجاه أميركا، كل ذلك أعاد المخاوف من سنوات طويلة للتدخل الأميركي في أميركا اللاتينية ومن ضمنها بحر الكاريبي.
هذا التدخل الذي اعتبره السيناتور الأميركي المستقل بيرني ساندرز «إحياء واضح لمبدأ مونرو»، ووصفه كذلك بأنه عمل إمبريالي صريح يستعيد أياماً سوداء للتدخل في أميركا اللاتينية الذي خلق «إرثاً مروعاً».
كذلك كان هناك تصريح في نوفمبر الماضي لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت، مع انطلاق مناورات «الرمح الجنوبي»، بأن هذه الأنشطة لمحاربة «تجار المخدرات» في منطقة النصف الغربي للولايات المتحدة، واصفاً بأن المنطقة هي «جوار أميركا وسنحميه».
كل ذلك أعاد المخاوف في بعض دول العالم من زعزعة إضافية وانتهاك أكبر للقوانين الدولية واستعادة لغة القوة فوق القانون الدولي الذي دعا إلى احترامه الرئيس الثاني والثلاثين فرانكلين روزفلت، وهو من أبناء عمومة الرئيس الأسبق ثيودور روزفلت صاحب العصا الغليظة.
فقد دعم الرئيس فرانكلين بعد الحرب العالمية الثانية فكرة إنشاء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المنبثقة منها، ودعا إلى وضع قوانين تحفظ السلم وفض النزاعات وبذلك أصبحت أميركا لها الثقل الأكبر في المنظمات الدولية، وترك ذلك نوعاً من المساحة للقوى الأصغر والأضعف بالتحدث وإبداء المواقف ولو بشكل نظري وأحياناً غير فاعل كما هو الحال مع النكبات التي حصلت بذلك الوقت وبعده في فلسطين.
بعد ذلك أصبحت أميركا متأرجحة بين القانون الدولي، التي هي من ساهمت بشكل كبير في تشكيل ودعم منظماته ولديها الذراع الطويلة فيها، وبين مبدأ مونرو، الذي عاد إليه الرئيس كينيدي في أزمة خليج الخنازير في كوبا في الستينات من القرن الماضي.
إن العودة لمبدأ مونرو الذي سماه الرئيس ترامب بمبدأ «دونرو» أصبح مقلقاً للغاية مع الصراع في العالم والمنافسة حول النفوذ والموارد في العالم، صراع وحاجة لموارد الطاقة لعمالقة الصناعة، وفنزويلا وما تحتها من ثروة نفطية هائلة تقدر بنحو ثلاثمئة مليار برميل، بالإضافة إلى مناجم الذهب المقدرة بثمانية آلاف طن، والغاز الطبيعي وهي العاشرة فيه عالمياً، والسيطرة على موارد الطاقة من نفط خام يعني تحكماً أكبر في أسعار الطاقة وما يمثله ذلك من قدرة أكبر للقوة المسيطرة على هذه الموارد.
لقد أعاد إلى الأذهان هذا التدخل في فنزويلا -التي وصفها السيناتور ساندرز «بالاستعمارية»- ما قام به الإسبان في القرن السادس عشر في أهم حملاتهم بقيادة القائد الإسباني فرانثيسكو بثارو، الذي كان موثقاً بأنه ولد غير شرعي لعقيد مشاة سابق هو غونثالو بثارو. فقد قام فرانثيسكو بالسيطرة على مناطق حضارة الانكا التي امتدت من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر الميلادي، والتي قام عبرها الإسبان بأسر زعيم الانكا، وتسلموا فدية عنه بأطنان من تماثيل الذهب، التي قاموا بصهرها وتحويلها إلى سبائك وشحنها إلى إسبانيا لتشهد بعدها طفرة مالية أنعشت إمبراطوريتها لفترة.
لقد تم وصف هذا النهب لثروات وإرث الانكا كفدية لزعيمهم وصهرها بأنها من أكبر المجازر ضد الآثار والتراث الإنساني، ورغم كل ذلك تم إعدام زعيم الانكا.
حلقات استعمارية بدأت من قبل خمسة قرون تقريباً في أميركا الجنوبية من قبل دول غربية أوروبية، ثم منافسة أخيرة في القرن الواحد والعشرين للسيطرة أو الاستفراد بهذه القارة، وصفحة جديدة بدأت في فنزويلا تحت عنوان «مكافحة إرهابي المخدرات»، صفحة بدأت ومن يعلم كيف ستنتهي؟! فلم تعد أميركا الجنوبية تقودها حضارة بدائية في نزاعات أهلية، بل أصبحت قارة يسكنها مئات الملايين من البشر في دول لها وجود فاعل ومؤثر في العالم، فماذا ستكون ردود أفعال اللاتينو مع خطوات العم سام الجديدة؟




