تركيا وإسرائيل: صراع تكتيكي وتخادم إستراتيجي

كتب د. خالد زغريت في صحيفة العرب.
الخطير في هذا الصراع التكتيكي أنه يشكّل تخادمًا إستراتيجيًا للطموحات الإمبراطورية لتركيا وإسرائيل لأن تخوفات كلاهما تعطيهما الذريعة لتقاسم النفوذ على سوريا وتبديد مقومات الدولة السورية.
تتفاقم يوميًا التصريحات النارية المتبادلة بين إسرائيل وتركيا منذ سقوط الأسد في سوريا، وينذر محتوى هذه التصريحات، في ظاهرها، بصراع عميق بين سياستين تتنافسان للهيمنة الجيوسياسية على الشرق الأوسط عامة، وسوريا خاصة. ويسعى هذا الصراع إلى استقطاب التحالفات الإقليمية والدولية الفاعلة، تحت عناوين عريضة ظاهرها مصالح دول المنطقة والعالم، وحقيقتها يقظة نزعات إمبراطورية تاريخية.
فتركيا لم تجف في شرايينها دماء أصول الإمبراطورية العثمانية، على الرغم من الانتماء السياسي إلى الأتاتوركية التي حاربت الإسلامية العثمانية، وانتصرت عليها، وكادت تمحو آثارها، لولا تدرج انبثاق الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية التركية، بدءًا من حزب النظام الوطني الذي أسسه نجم الدين أربكان سنة 1970، ثم حزب السلامة الوطني، وحزب الرفاه الذي تم حظره عام 1998، ومرورًا بأحزاب الرفاه الجديد، والسعادة، والاتحاد الكبير، والطريق الوطني، وانتهاءً بحزب العدالة والتنمية الحاكم منذ عام 2002، الذي يصف نفسه بأنه “ديمقراطي محافظ”، لكنه ينزع إلى الأصول الإمبراطورية العثمانية، ويخاتل في طروحاته السياسية حذرًا من خطر داخلي، يتمثل في الدستورية العلمانية للبلاد، ومن خطر خارجي يتمثل في دول الإقليم التي تخشى عودة الأحزاب الإسلامية إلى الساحة العربية، فضلًا عن الريبة العالمية من يقظة هذه الأحزاب.
يشكّل تصادم الأهداف التركية والإسرائيلية في سوريا صراعًا مباشرًا، يقوده سياسيّو البلدين وفق صراعات تكتيكية متصاعدة، تنذر بتحوّله إلى حروب استنزافية متعددة الأشكال وطويلة الأمد
وتتخذ تركيا من تهديد الأحزاب الكردية المناوئة لها، ولا سيما المنضمة إلى “قسد” في سوريا، ذريعة للأمن القومي التركي، لذلك تعمل جاهدة على الهيمنة على الشمال السوري في ظلال هذه الذريعة، مستفيدة من علاقاتها الخاصة مع قوى الدولة السورية الجديدة. ويشكّل هذا الواقع للسياسة التركية تجاه الكرد الانفصاليين تصادمًا مع سياسة إسرائيل تجاه الجنوب السوري، آخر طوق لم يخضع لإسرائيل.
تطمح إسرائيل، في عمق تكوين سياساتها الإستراتيجية، إلى تأسيس “دولة الأزرق” الممتدة ما بين الفرات والنيل، وإقامة “ممر داود”، وهي مشاريع توسعية ذات نزعة إمبراطورية دينية تاريخيًا. وقد أتيح لنتنياهو، في التحولات السياسية التي كانت إسرائيل من أهم محركيها، أن يستعيد الروح الإمبراطورية ويستثمرها في براغماتية تثير النزعات التاريخية لدى جمهوره.
بات نتنياهو يردد في تصريحاته المستمرة عزم إسرائيل على تنفيذ مشروع “ممر داود”، حيث صرّح مؤخرًا: “لن نسمح لقوات هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد بالدخول إلى المنطقة الواقعة جنوب دمشق، ونطالب بنزع السلاح بشكل كامل في جنوب سوريا ومناطق القنيطرة ودرعا والسويداء من قوات النظام الجديد.”
يربط هذا الممر جغرافيًا بين الكيان الصهيوني والجنوب السوري، من الجولان إلى الفرات، وهو مصمم تاريخيًا في الخرائط الإسرائيلية لتحقيق النبوءة التوراتية “الدولة اليهودية الكبرى”.
يشكّل تصادم الأهداف التركية والإسرائيلية في سوريا صراعًا مباشرًا، يقوده سياسيّو البلدين وفق صراعات تكتيكية متصاعدة، تنذر بتحوّله إلى حروب استنزافية متعددة الأشكال وطويلة الأمد.
الخطير في هذا الصراع التكتيكي أنه يشكّل تخادمًا إستراتيجيًا للطموحات الإمبراطورية لتركيا وإسرائيل، لأن تخوفات كلاهما تعطيهما الذريعة لتقاسم النفوذ على سوريا، وتبديد مقومات الدولة السورية ومشروع بنائها الجديد. وبالتالي، سيؤدي هذا الصراع التكتيكي إلى تخادم إستراتيجي لطموحاتهما، من غير خسائر فادحة تنتج عن صراع حربي على الأرض. وهذه هي أنماط الصراعات السياسية الانتهازية التي تتقنها النزعات الإمبراطورية، بصورة حرب باردة على شفا صدوع السياسات الإقليمية، فتردد اهتزازاتها لتصدّع المحيط الضعيف للإمبراطوريات التي لا تنام إلا على حلم عودتها.




