رسائل أميركية من فنزويلا إلى العالم

عبدالله مكسور – العربي الجديد:
ما يجري في فنزويلا يتجاوز مستقبل بلدٍ أميركي لاتيني مثقلٍ بأزمة سياسية واقتصادية طويلة، اختُطف رئيسه من دولة أخرى وحوكم فيها. وضع ترامب العالم أمام اختبار لنمط جديد من ممارسة القوّة الأميركية: إسقاط الخصم، إدارة الفراغ، إعادة تركيب المؤسّسات السياسية، ثمّ إعادة فتح الاقتصاد، وصولاً إلى الإمساك بمورد استراتيجي هائل. ولهذا، ليست أهمية النموذج الفنزويلي في ما يحدث في كاراكاس وحدها، وإنّما في الرسائل التي يحملها من واشنطن إلى العالم.
يكشف النموذج الفنزويلي تحوّلاً مهمّاً في التفكير الأميركي. في نماذج سابقة، هدفت واشنطن إلى إسقاط نظام معادٍ ثمّ تركت القوى المحلّية تتصارع على إنتاج البديل. أمّا هنا، فالبيت الأبيض يبدو أكثر انخراطاً في هندسة المرحلة التالية: يتعامل مع السلطة المؤقّتة، ويدعم مساراً تفاوضياً محدّداً، ويتعامل مع وفد معارض بعينه، ويتابع صورة المؤسّسات التي ستُنتج السلطة المقبلة. وليست هذه المسارات مجرّد وساطة بين الخصوم، الوسيط يقرّب بين الأطراف، أمّا القوّة المهيمنة فتحدّد (كما تفعل أميركا) من هم الأطراف أصلاً. وهنا الرسالة الأولى: تريد الولايات المتحدة أن يكون لها نفوذ في النتيجة الفنزويلية، لا مجرّد نفوذ في العملية الانتقالية. وهذا يحيلنا على الحديث عن الديمقراطية في التصوّر الأميركي الجديد باعتبارها نتيجة مُدارة لا مساراً مستقلّاً استناداً إلى تقريرها شروط الوصول إليها. فعندما تختار القوّة الخارجية من يمثّل المعارضة، وتشارك في ضبط العملية السياسية، وتبقي الأفق الانتخابي مفتوحاً، تصبح الديمقراطية المفترضة معرّضةً للتحوّل من حقّ سيادي للشعب إلى مرحلة ضمن عملية انتقال تديرها القوّة الخارجية. وسيكون الاختبار الحقيقي عندما تتعارض الإرادة الشعبية مع التفضيلات الأميركية. عند تلك اللحظة فقط، سنعرف إن كانت واشنطن ترعى الديمقراطية أم ترعى ديمقراطية متوافقة مع مصالحها فقط فتكون شريكاً في الترتيب. ومن هذه الزاوية يمكن فهم كيف أصبح النفط الفنزويلي مفتاحاً أساسياً وضرورياً لفهم السياسة الأميركية كلّها.
هدفت واشنطن إلى إسقاط نظام معادٍ في فنزويلا ثمّ تركت القوى المحلّية تتصارع على إنتاج البديل
إعلان ترامب في 28 أغسطس/ آب الماضي اتفاقاً يمنح الولايات المتحدة سيطرةً على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية يضع الاقتصاد في قلب الاستراتيجية الجيوسياسية الأميركية. الاتفاق، بحسب ما أعلنته واشنطن وأكّدته كاراكاس، يستهدف تطوير 17 حقلاً، مع توقّعات باستثمارات خاصّة تقارب مائة مليار دولار. والمعنى الأعمق لهذه الصفقة أنّ النفط لم يعد مكافأةً اقتصاديةً تأتي بعد الاستقرار السياسي، لقد أصبح أحد مكوّنات الاستراتيجية التي يُبنى بها الاستقرار نفسه. وهذا تحوّل بالغ الدلالة في النظام الدولي: عندما تمتلك دولة ما موارد استراتيجية ضخمة لكنّها تعاني انهياراً سياسياً واقتصادياً، فإنّ تلك الموارد يمكن أن تصبح سبباً إضافياً لتدخّل القوى الكُبرى في إعادة تشكيل نظامها. وقد حدث هذا تاريخياً في مصر وسورية والعراق وغيرها.
لا يقدّم ترامب الاتفاق النفطي الجديد انتصاراً للديمقراطية الفنزويلية، وإنّما صفقةً ستزيد إمدادات النفط الأميركية وتخفّض أسعار البنزين وتزيد الاحتياطيات الأميركية. أي أنّ السياسة الخارجية تُقاس هنا بمنطق شديد الواقعية: على ماذا ستحصل الولايات المتحدة؟ وهذا جوهر الخطاب الترامبي القائم على المكاسب والتحالفات والعقوبات والحروب والمفاوضات. حتّى عمليات إعادة بناء الدول، ينبغي أن تعود بمنفعة محسوسة ومباشرة على المواطن الأميركي. وفي سبيل هذه الرؤية، تعلن واشنطن، بمواربة أحياناً وبوضوح أحياناً أخرى، استعدادها لاستخدام ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي للحصول على شروط أفضل لمصالحها، حتّى لو كان ذلك يتطلّب إعادة تعريف علاقة الدول بمواردها وسيادتها.
رسالةٌ أميركيةٌ من فنزويلا تقول: نريد دولاً مستقلّةً شكلاً، لكنّها تعيش ضمن هندسة نفوذ صاغتها القوّة الأميركية
تحضر في النموذج الفنزويلي فلسفة ترامبية جديدة قائمة على إرادة واشنطن في تحويل القوّة العسكرية إلى ملكية سياسية واقتصادية طويلة الأمد، وهنا تأتي أهمية الصفقة النفطية التي قالت رئيسة البلاد الانتقالية، ديلسي رودريغيز، إنّها تمتدّ إلى 25 عاماً، في مقابل الرواية الأميركية التي تركّز في السيطرة على الموارد والاستثمارات وإعادة بناء الصناعة. وهذا النموذج يحتوي على صيغة أميركية مطوّرة من الاحتلال التقليدي، وترتكز على تحديد اتجاه السلطة، وفتح الاقتصاد، وضمان الموارد، والتأثير في المؤسّسات التي تنتج الشرعية السياسية. وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل تستطيع فنزويلا أن تستفيد من القوّة الأميركية من دون أن تتحوّل إلى دولة تدور داخل المدار الأميركي؟ يخبرنا التاريخ هنا أنّ أغلب الدول التي وقعت في هذا الفخّ لم تنجح. ولضمان عدم النجاح لا تطرح واشنطن أبداً تغيير النُّخب الحاكمة في كاراكاس، إشارات البيت الأبيض التي يمكن التقاطها تقول: كلّ ما نحتاجه هو تغيير سلوك النُّخب ومصالحها فقط. فإذا كانت شخصية من النظام القديم قادرةً على ضمان الاستقرار، وفتح الاقتصاد، وحماية الاتفاقات الجديدة، فقد تصبح بالنسبة إلى واشنطن أكثر فائدةً من معارض راديكالي لا يمكن التنبؤ بسلوكه. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة الفنزويلية أكثر تعقيداً من ثنائية مادورو ضدّ المعارضة. وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات المشهد وضوحاً. يمكن لواشنطن أن تتحدّث عن الديمقراطية، وفي الوقت نفسه تتفاوض مع شخصيات كانت جزءاً من النظام السابق. ويمكنها أن تدعم المعارضة، وفي الوقت نفسه تختار من يمثّلها. ويمكنها أن تدعو إلى إعادة بناء الدولة، وفي الوقت نفسه، تدفع نحو تحرير قطاع النفط أمام رأس المال الأميركي. هذه ليست بالضرورة تناقضات بالنسبة إلى صانع القرار الأميركي؛ إنّها براغماتية ترامبية انتقالية تهدف إلى إنتاج ترتيبات اقتصادية وسياسية دائمة.
هناك أيضاً رسالة أميركية تتجاوز فنزويلا في كلّ ما جرى ويجري، فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُنتزع دائماً بالدبابات. يمكن أن تتآكل عبر الديون، والعقوبات، واتفاقات الاستثمار، وإعادة هيكلة المؤسّسات، والتحكّم في موارد الطاقة، والاعتماد الأمني، ليصبح القرار الوطني نفسه مقيّداً بمجموعة التزامات يصعب التراجع عنها. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكَّدة في العالم، لكنّها وصلت إلى إنتاجٍ يقلّ كثيراً عن قدرتها التاريخية بسبب سنوات من سوء الإدارة ونقص الاستثمار والعقوبات والانهيار المؤسّسي. فالبيانات الحديثة تشير إلى إنتاج يقارب 1.16 مليون برميل يومياً في يوليو/ تمّوز 2026، مقابل ارتفاع الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة إلى نحو 786 ألف برميل يومياً. وهذه المفارقة تحمل درساً عالمياً: المورد وحده لا يصنع القوّة، ولكنّ الدولة القادرة على إدارة المورد هي التي تصنع القوّة. والرسالة في هذا المقام واضحة لجميع الدول التي تمتلك ثروات هائلة لكنّها تعاني ضعف المؤسّسات. يريد ترامب أن يقول للآخرين إنّه مَن يحدّد شروط الحكم، وهذه خلاصة النموذج الفنزويلي كلّه. القوّة الأميركية في عهد ترامب لا تقول للدول فقط: يمكننا إسقاط حكوماتكم؛ إنّها تقول شيئاً أكثر عمقاً وخطورةً: يمكننا أن نشارك في تحديد صورة النظام الذي يأتي في ما بعد. نريد دولاً مستقلّةً شكلاً، لكنّها تعيش ضمن هندسة نفوذ صاغتها القوّة الأميركية. ضعوا الأعلام والشعارات التي تريدون فوق القصر الرئاسي؛ سيكفينا أن نجعل الدولة الجديدة مرتبطةً بواشنطن في لحظة التأسيس. اختاروا الرئيس والبرلمان والحكومة وخطاب السيادة الوطنية، لكنّ خياراتكم الكُبرى مقيّدة بعلاقتها معنا وعلى نحو حتمي ونهائي في صورة علاقات الأمن والاقتصاد والطاقة والتمويل التي تشكّلت في مرحلة الانتقال. وهذا هو الفرق بين السيطرة على الأرض والسيطرة على شروط الحركة فوق الأرض كما يريده ترامب.



