نداء إلى صنّاع القرار: أنقذوا السودان!

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.
هناك حاجة ملحّة إلى موقف خليجي موحّد لفرض حل سلمي عاجل. ليس من باب التدخل بل من باب المسؤولية التاريخية والجغرافية والأخلاقية.
في طفولتنا تعلّمنا قصة بسيطة لكنها عميقة: شيخٌ جمع أبناءه وناولهم حزمة من العيدان، ففشلوا في كسرها. ثم أعطاهم عيدانًا منفردة، فكسروها بسهولة. كانت الحكمة واضحة: في الاتحاد قوة، وفي التفرقة ضعف. لكننا، رغم تكرار هذه القصة في المناهج المدرسية وتناقلناها في الذاكرة الجماعية، لم نتعلم منها شيئًا. ظللنا نردد أن الاستعمار تغلب علينا بسياسة “فرّق تسد”، ثم واصلنا التفرّق، وكأننا نمنحه انتصارًا متجدّدًا كل يوم.
اليوم، يقف السودان على مفترق طرق مأساوي، حيث الحرب الأهلية تمزّق نسيجه، وتُهدد ليس فقط مستقبل شعبه، بل استقرار المنطقة بأسرها. وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحّة إلى موقف خليجي موحّد، تحديدًا من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لفرض حل سلمي عاجل. ليس من باب التدخل، بل من باب المسؤولية التاريخية والجغرافية والأخلاقية. فالسودان ليس جارًا بعيدًا، بل هو امتداد طبيعي للأمن الخليجي، وعمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله.
التاريخ لا يرحم المتفرّقين ولا يُكافئ المتردّدين. صنّاع القرار في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة -ومعهم بقية الأشقاء في مجلس التعاون- أمام لحظة اختبار حقيقية
إن أي قراءة موضوعية للخارطة الجيوسياسية تؤكد أن استقرار السودان هو جزء لا يتجزأ من استقرار البحر الأحمر، ومن أمن الممرات البحرية التي تمر عبرها 12 في المئة من التجارة العالمية، و30 في المئة من إمدادات الطاقة إلى أوروبا وآسيا. كل صاروخ حوثي يُطلق مستقبلا من الساحل السوداني، وكل قاعدة عسكرية أجنبية تُبنى على جزيرة سواكن أو بورتسودان، يشكلان تهديدًا مباشرًا لموانئ جدة وينبع والدمام وجبل علي والجافلة. إن فوضى السودان ليست بعيدة عن دول المنطقة؛ إنها على بعد ساعات قليلة بالطائرة، ودقائق بالصواريخ.
إن التعاون السعودي – الإماراتي في هذا الملف لا ينبغي أن يُقرأ فقط كمبادرة إنسانية لحقن دماء السودانيين -رغم أهميتها القصوى- بل كخطوة ضرورية لقطع الطريق على من يسعون لاستغلال الأزمة لزرع الفتن بين الأشقاء الخليجيين أنفسهم. فالسودان، في لحظته الراهنة، تحوّل إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية، بعضها لا يخفي رغبته في تأجيج الصراع، لا حله. نرى اليوم قواعد روسية وإيرانية وتركية وإسرائيلية ومصرية تتنافس على الساحل السوداني، وكل طرف يبحث عن موطئ قدم يُعزز به نفوذه على حساب الآخرين. وكل تأخير في التوافق الخليجي يمنح هذه الأطراف مساحة أوسع للعبث، ويحوّل الأزمة من مأساة محلية إلى تهديد إقليمي يمس أمننا الجماعي مباشرة.
لقد أثبتت التجارب -في اليمن وليبيا وسوريا- أن الخيارات العسكرية، مهما بدت حاسمة في اللحظة، لا توصل إلى حلول مستدامة، بل تزيد الأمور تعقيدًا، وتستنزف مقدرات السودان، ومقدرات الدول التي تنخرط فيها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لقد رأينا كيف تحول دعم طرف عسكري معيّن إلى التزام طويل الأمد، ثم إلى استنزاف سياسي واقتصادي، ثم إلى اتهامات متبادلة بين الحلفاء أنفسهم. في المقابل، فإن الحلول السياسية المدعومة بتوافق إقليمي صادق، هي وحدها القادرة على إعادة بناء السودان، واستعادة دوره كدولة مستقرة وفاعلة في محيطها العربي والأفريقي.
اليوم، يقف السودان على مفترق طرق مأساوي، حيث الحرب الأهلية تمزّق نسيجه، وتُهدد ليس فقط مستقبل شعبه، بل استقرار المنطقة بأسرها
إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة منطق “الحزمة” الذي علّمنا إياه الشيخ الحكيم. لا يمكن لأي دولة خليجية -مهما بلغت قوتها- أن تواجه تحديات المنطقة منفردة، ولا يمكن للسودان أن يخرج من أزمته دون دعم جماعي صادق ومنسق. المطلوب ليس فقط التنسيق السياسي على مستوى الوزراء والسفراء، بل بناء رؤية مشتركة على أعلى مستوى تُعلي من قيمة الإنسان السوداني، وتحمي وحدة أراضي السودان، وتُحصّن الخليج من ارتدادات الفوضى التي قد تمتد إلى القرن الأفريقي ثم إلى شبه الجزيرة العربية.
هذا النداء لا يأتي من موقع العاطفة وحدها، بل من قراءة واقعية لمعادلات القوة والمصلحة المشتركة. فالسودان، بموقعه الجغرافي الفريد، وبثرواته الطبيعية الهائلة، وبكفاءاته البشرية المتميزة، يمكن أن يكون رافعة تنموية للمنطقة بأسرها، لا عبئًا عليها. يمكن أن يكون شريكًا في أمن الغذاء الخليجي عبر ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، وشريكًا في سلاسل الإمداد عبر موانئه الإستراتيجية، وشريكًا في الطاقة المتجددة عبر إمكانياته الشمسية الضخمة. لكن كل ذلك لن يتحقق إلا إذا اجتمعت العيدان، وتحوّلت الحكمة القديمة إلى سياسة حديثة تُترجم في مبادرة خليجية موحدة، تقودها الرياض وأبوظبي معًا، وتضع حدًا للصراع، وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار.
إن التاريخ لا يرحم المتفرّقين، ولا يُكافئ المتردّدين. وصنّاع القرار في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة -ومعهم بقية الأشقاء في مجلس التعاون- أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن يُعيدوا كتابة قصة السودان بلغة التوافق والحكمة والمصلحة المشتركة، وإما أن يتركوا الآخرين يكتبونها بلغة الدم والدمار والتدخل الأجنبي. الخيار واضح، والحكمة قديمة، لكن تطبيقها اليوم هو ما سيحدد ما إذا كنا سنظل نروي لأبنائنا قصة الشيخ والعيدان كدرس نتعلمه، أم كلعنة نعيشها.
الوقت ليس في صالحنا. السودان ينزف، والمنطقة كلها تنزف معه. حان وقت الحزمة.




