رأي

 إيلون ماسك ورأسمالية الدولة في القرن الجاري

Chris Green – Znetwork:

مقال يفنّد أسطورة نجاح وادي السيليكون بوصفه نتاج السوق الحرة وحدها، ويؤكد أن الحكومة الأميركية، عبر تمويل البحث والتطوير، لعبت الدور الحاسم في بناء التقنيات التي صنعت ثروات إيلون ماسك وغيره من عمالقة التكنولوجيا.

لقد كان من المبتذل لدى المحافظين الأميركيين، خاصة في نسختهم الحالية من حركة “ماغا”، مع المفكرين الأكثر ميلاً إلى يسار الوسط، اعتبارهم أن النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة على مدى 250 عاماً الماضية، وخلال العقود التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، يعود بالكامل إلى عبقرية رواد الأعمال الأفراد والمبتكرين التكنولوجيين، باعتقاد أن نجاحهم يعود إلى منح الوكالات الحكومية الأميركية لهم حرية ممارسة أنشطتهم، وأن أي محاولة من جانب الحكومة للتدخل في هذه “السوق الحرة” التي يقودها هؤلاء العباقرة الاقتصاديون والتكنولوجيون ستؤدي إلى آثار سلبية تُضعف دوافعهم الابتكارية، وهذا مؤثر قوي على فرص العمل.

وفي رؤية منصة “بيرش” التي تلهم رجال الأعمال، ويتبناها كبار المعلقين المحافظين اليوم، يعتبر حتى أدنى تدخل حكومي في النشاط الاقتصادي أمراً بالغ الخطورة، ويُحتمل أن يكون بدايةً لانزلاق نحو إقامة نظام شمولي (ستاليني أو ماوي).

مع ذلك، الواقع مختلف قليلاً عما تظهره هذه الصورة. فالحقيقة أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذين قادوا الابتكار الاقتصادي الأميركي في التكنولوجيا مثل الحواسيب والإنترنت والذكاء الاصطناعي إلى حد كبير ليس المخترعون الذين يعبثون بمفردهم على الآلات في المرائب، بل من قبل الحكومة الفيدرالية الأميركية، وخاصة وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة في البنتاغون “داربا”.

ويعتبر الإنترنت مثالاً رئيسياً، حيث إن تمويل “داربا” والإشراف على الأبحاث في الجامعات والشركات الخاصة في الستينيات والسبعينيات هو ما أنشأ الإنترنت، في حين استحوذت مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية “إن إس إف” على الإنترنت في الثمانينيات، إلى أن تخلت بالكامل عن البنية التحتية الأساسية للشبكة، وسلمتها للقطاع الخاص مجاناً تقريباً في العام 1995.

لكن، هذا لا يقلل من إنجازات العلماء الأفراد الذين مع تمويل وتشجيع كافيين من دافعي الضرائب، حققوا اختراقات حقيقية في تقدم التكنولوجيا العالية دون دعم كبير من القطاع الخاص الذي كان تقليدياً حذراً من نقص الربح قصير الأجل في الاستثمار في البحث والتطوير المبكر للاختراعات التقنية.

مع ذلك، هذه الحقيقة المتعلقة بتدخل الحكومة الحاسم في تطوير التكنولوجيا الأميركية المتقدمة غير معروفة علناً وبالتأكيد أن عمالقة وادي السيليكون لا يفعلون الكثير للاعتراف بها، رغم أنهم في بعض الأحيان صرحوا بذلك بخفوت.

مثلاً، في مقابلة عام 2015 مع صحيفة “ذا أتلانتيك” أوضح بيل غيتس أنه “منذ الحرب العالمية الثانية، حددت الحكومة الأميركية الممولة البحث والتطوير حالة التكنولوجيا في كل قطاع تقريباً من قطاعات صناعة التكنولوجيا العالية الأميركية، مؤكدا دور “داربا” في إنشاء الإنترنت.

وبالمثل، في كتابه لعام 2025 “الجمهورية التكنولوجية”، كتب الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” أليكس كارب عن الدور الحاسم لاستثمار دافعي الضرائب في تمويل التقنيات التي جعلت الأوليغارشيين في وادي السيليكون مثله فاحشي الثراء.

في خطاب ألقاه في جامعة ستانفورد عام 2003، أشار إيلون ماسك أيضاً إلى الدور المهم للحكومة الفيدرالية من خلال “ناسا” في ابتكار تقنيات استكشاف الفضاء التي وضعت الأساس لثروته الخاصة من خلال شركته “سبيس إكس” وقال، كما كانت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة “داربا” بمثابة الدافع الأولي للإنترنت، وتكفلت بجزء كبير من تكاليف تطويره في البداية، فربما تكون وكالة “ناسا” قد فعلت الشيء نفسه تقريباً من خلال إنفاق الأموال على تطوير بعض التقنيات الأساسية في البداية. فعندما نتمكن من إدخال قطاع التجارة الحرة في هذا المجال، سنشهد حينها التسارع الهائل الذي شهدناه في هذه التقنيات.

كلام ماسك مأخوذ من كتاب جديد مهم بعنوان “الماسكية دليل للحائرين”، من تأليف أستاذ التاريخ في جامعة بوسطن كوين سلوبوديان والكاتب اليساري في مجال التكنولوجيا بن تارنوڤ، عن نهج ماسك في العمل كرجل أعمال ضمن نزعة أوسع لدى أوليغارشيي وادي السيليكون نحو “التكافل مع الدولة” ويتمثل أحد أبرز جوانب هذه النزعة في الاعتماد على البحث والتطوير المموّل من دافعي الضرائب لتطوير التقنيات التي جعلتهم فاحشي الثراء.

وقد جاء في الكتاب أن ماسك اعتمد بالفعل على التكنولوجيا التي طُورت بتمويل حكومي، من ضمنها الإنترنت منذ أيامه الأولى كرائد أعمال متواضع نسبياً كان في المجال. وفي التسعينيات، شارك في إنشاء موقع إلكتروني يسمى “زيب تو”، وهو دليل إلكتروني للأعمال التجارية مع تعليمات قيادة مدعومة.

كما اشترى ماسك وشركاؤه خرائط رقمية للموقع من شركة اعتمدت بدورها على مجموعة من الأقمار الصناعية من ابتكارات البحث والتطوير الممولة من دافعي الضرائب الأميركيين. ويضيف الكاتبان أن ماسك حقق 22 مليون دولار عندما اشترت شركة “كومباك” شركة “زيب تو” في العام 1999، رغم أن شركة ماسك كانت تخسر المال في ذلك الوقت.

بالنسبة للمؤلفين، فإن “التعايش” بين الأوليغارشية في وادي السيليكون والحكومة الأميركية ليست مرتبطة فقط بجني أرباح ضخمة من البحث والتطوير الممولين من القطاع العام، لأن الأوليغارشيين مثل ماسك وبيتر ثيل المؤسس المشارك لشركة “بالانتير” ثرواتهم تعتمد بشكل كبير على عقود منحت لهم الحكومة الفيدرالية الأمريكية وحكومات أخرى حول العالم.

وكمثال على أهمية اعتماد ماسك على دوره كمقاول حكومي من أجل ثروته، يشير الكتاب إلى منح خدمات النقل المداري التجاري التابع لناسا عقداً بقيمة 278 مليون دولار لشركة “سبيس إكس” في عام 2006، حيث “لم يكن من الممكن أن يأتي ضخ الأموال في وقت أفضل. حتى الآن، حققت الشركة أقل من 50 مليون دولار من الإيرادات، وأنفقتها كلها تقريباً، ولقد كادت أموال ماسك الخاصة حتى تبقى الأنوار مضاءة.

يقول عن ذلك الرئيس السابق لشركة “سبيس إكس” جيمس مازر، إنه لولا هذا العقد، “كان بالإمكان التكهن فيما إذا كانت شركة ماكس ستنجو أم لا”.

ماسك في السياق الأوسع لرأسمالية القرن الجاري
قبل وقت قصير من نشر الكتاب المذكور في نيسان/ أبريل الماضي، كتب مات ماكمانوس مراجعة عن ماسك في مجلة “جاكوبين”، وأثنى عليه مع انتقاده لكونه “يركز بشكل مباشر على الأيديولوجيا، ويحجب القوى الاقتصادية والسياسية الأوسع التي تعمل خلف الكواليس، ووضع ماسك كمستفيد من المجموعة الأوسع من المؤسسات والممارسات التي سمحت له بالازدهار”.

لست متأكداً تماماً مما يقصده ماكمانوس. ويبدو لي أن وضع ماسك في سياق أوسع يشمل المؤسسات والممارسات التي سمحت له بالازدهار”، هو ما يفعله الكتاب تحديداً. ففي تصويره لماسك، يرسم المؤلف صورة مقنعة لرأسمالية الدولة الأميركية في القرن الجاري، حيث إن قطاع التكنولوجيا المتقدمة الأقوى في اقتصاد البلاد وأغنى أقطاب هذا القطاع ماسك، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالدولة الأميركية.

ويشير المؤلف إلى كيفية استفادة ماسك من التيسير الكمي وأسعار الفائدة شبه الصفرية خلال العقد الماضي، وكيف وظف بمهارة شركاته للاستفادة على مر السنين من الأجندات المتباينة للإدارات الرئاسية المتعاقبة.

كذلك، يوضح الكتاب كيف استفاد ماسك وشركة “سبيس إكس” عندما زاد وزير الدفاع رامسفيلد اعتماد البنتاغون على المقاولين من القطاع الخاص بشكل كبير، ويصف كيف تمكنت شركة “تسلا” من افتتاح أول مصنع لها في فريمونت، كاليفورنيا، بقرض قيمته 465 مليون دولار من إدارة أوباما، وكيف استغل ماسك بيع أرصدة إنتاج السيارات الكهربائية المصرح بها بموجب قانون ولاية كاليفورنيا حتى وصل الأمر إلى أن “حوالي 40% من صافي دخل “تسلا” بحلول عام 2024 جاء من بيع هذه الأرصدة، وهو دعم غير مباشر، ولكنه أساسي.

وأخيراً، يصف الكتاب كيف عزز ماسك تكافله مع الدولة، ومع الحكومة الفيدرالية الأمريكية خلال فترة شغله في “دوج” حين استخدم ماسك هذه الفترة للدفع باستخدام تقنيات وخبرات شركاته لتعزيز مراقبة إدارة ترامب للسكان غير المرغوب فيهم من المهاجرين غير الشرعيين في المقام الأول.

الكتاب عموماً ممتع للغاية وسهل القراءة نسبياً، ويُظهر أنه على الرغم من استنكار مليارديرات وادي السيليكون، مثل ماسك وبيتر ثيل، لمساوئ الاشتراكية و”الحكومة المركزية”، إلا أنهم كانوا يعتمدون بشكل كبير على الحكومة في الحصول على الدعم المالي، وتمويل البحث والتطوير للتقنيات الجديدة، وتوفير سوق لخدماتهم التعاقدية.

كما يذكرنا الكتاب بأن معظم عمالقة الصناعة، مثل ماسك وبيتر ثيل، وكذلك حلفاؤهم من مؤيدي ترامب في الحكومة، ليسوا في الواقع ضد “الحكومة المركزية”، بل يتقبلونها طالما أنها تحول الثروة العامة والسلطة إليهم. ويمكن ملاحظة هذه الديناميكية في إدارة ترامب، المعادية بشدة للاشتراكية، التي اشترت حصصا للحكومة الأميركية في أكثر من 30 شركة تحت ستار حماية الأمن القومي.

وفي مساره التخريبي الواسع النطاق في أثناء قيادته لشركة “دوجكوين”، حرص ماسك على عدم إلحاق ضرر كبير بمجالات عمليات الحكومة لأنها تعزز ثروته الشخصية. وفي مساره التخريبي الواسع النطاق في أثناء قيادته لشركة “دوجكوين”، حرص ماسك على عدم إلحاق ضرر كبير بمجالات عمليات الحكومة الأمريكية التي تعزز ثروته الشخصية.

هناك جوانب من مسيرة ماسك المهنية من ضمنها عملة “دوجكوين”، لم تغط بشكل تام في الكتاب، على سبيل المثال، يصف المؤلف عنصراً هاماً مما يسميه “الماسكية” أي مبالغة ماسك في الترويج لإمكانيات منتجاته للمستثمرين، سواء أكان ذلك بإرسال إنسان إلى المريخ، أو السيارات ذاتية القيادة، أو إنشاء أنفاق تحت الأرض لحل مشاكل المرور في لوس أنجلوس.

وقد قارن ماكمانوس، في مراجعته المذكورة آنفا، هذا الجانب من ماسك بذكاء بحملة ترامب التسويقية “فكر على نطاق واسع” الموصوفة في كتاب “فن الصفقة”. لكن الكتاب لم يشر إلا باختصار إلى هذه الأمثلة على المبالغة في الترويج من قبل ماسك، أو لم يشيرا إليها إطلاقاً، كما في مزاعم ماسك حول الأنفاق تحت الأرض التي ستبنيها شركته “بورينغ كومباني”، والتي يمكن الاطلاع على تغطية مفصلة لها في كتاب الكاتب التقني اليساري باريس ماركس الأخير “الطريق إلى اللا مكان: ما يخطئ فيه وادي السيليكون بشأن مستقبل النقل.

من الواضح أن المؤلف قصد من هذا الكتاب أن يكون عملاً صحفياً رصيناً، فامتنع من تقديم أي حلول لمعالجة المشاكل التي سببها ماسك وثروته. وفي كتاب سابق له راجعته من قبل، طرح تارنوف حلاً محتملا بوضع الإنترنت تحت سيطرة محلية، مملوكة للعامة، وديمقراطية.

مع ذلك يثير الكتاب المذكور ضمنياً سؤالاً هاماً في تصور مستقبل ما بعد الرأسمالية، إذا كانت الحكومة الفيدرالية متورطة بشكل كبير في تغذية ثروات عمالقة القطاع الخاص مثل ماسك بالطرق المذكورة أعلاه، ألا ينبغي أن يكون لدافعي الضرائب الأمريكيين سيطرة مباشرة أكبر على حساب سيطرة. ماسك على كيفية استخدام هذه الثروة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى