رأي

هل بتنا على مشارف طوفان الضفة؟

أحمد عبد الرحمن – الميادين:

تصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية عاملٌ يُنذر بتفاقم المواجهات واحتمال انفجار الأوضاع الأمنية مع استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد التوتر.

في المشهد الفلسطيني، وكما كان الحال خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تبدو الأمور ملتبسةً ومعقّدةً، وتحتاج، كما تشير الكثير من المعطيات، إلى الكثير من العمل من أجل الانتقال من مربّع التوتّر والتصعيد إلى مساحة، ولو مؤقتة، من الهدوء والاستقرار.

في هذه المرّة، لا تطغى الأحداث في قطاع غزة على ما سواها، ولا يتفرّد القطاع الصغير والمحاصر، الذي تعرّض ولا يزال لأبشع حرب إبادة جماعية شهدها التاريخ المعاصر، بالمشهد وحده؛ إذ انضمّت إليه ساحة أخرى من ساحات فلسطين التاريخية، التي وإن لم تكن في منأى عن اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه خلال السنوات الماضية، إلا أنها شهدت تصعيداً ملحوظاً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ولا سيما على صعيد التوسّع الاستيطاني، وما يرافقه من اعتداءات وانتهاكات خطيرة يرتكبها المستوطنون الصهاينة بحقّ السكان المدنيين الفلسطينيين.

ومع أنّ أحداث “الجمعة السوداء” التي وقعت في قرية “تل” جنوب غربي مدينة نابلس في الرابع والعشرين من هذا الشهر، قد لفتت الأنظار أكثر من غيرها إلى ما يجري في مدن الضفة من اعتداءات وانتهاكات، إلّا أنّ مسلسل هذه الانتهاكات لم يتوقّف خلال الأشهر الأخيرة، ولا خلال ما سبقها من أشهر، بل منذ سنوات، حتى تلك التي سبقت تشكيل حكومة اليمين المتطرّف في “إسرائيل” قبل أربعة أعوام تقريباً، مع ارتفاع ملحوظ في مستوى العنف والإجرام الذي يرتكبه المستوطنون الصهاينة، بحماية ودعم من “الجيش” منذ وصول الحكومة الحالية إلى سدّة الحكم في “الدولة” العبرية.

إلى جانب ما جرى في “تل”، وقعت أحداث أخرى في قرى “قصرة” جنوب نابلس، و”كور” جنوب طولكرم، و”فرعتا” قرب قلقيلية، والعديد من القرى الأخرى، وتنوّعت فيها اعتداءات المستوطنين بين حرق المساجد، وإقامة بؤر استيطانية صغيرة على بعض التلال، إلى جانب إطلاق النار على منازل المواطنين الفلسطينيين، الذين أُصيب عدد منهم بجراح.

يمكن النظر إلى ما يجري من اعتداءات على أنه محاولة لتشكيل مزيد من الضغط على السكان الفلسطينيين، لدفعهم إلى الهجرة من قراهم ومنازلهم، وتفريغ أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة، بما يسمح، في مرحلة ما، بفرض سيطرة إسرائيلية كاملة عليها، أو على الجزء الأكبر منها.

في السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما بعد انطلاق معركة “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدأ الكيان الصهيوني مرحلة جديدة من السيطرة على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، أطلق عليها المختصون مرحلة “الهرولة نحو الضم”، إذ انتقلت “إسرائيل” من نمط الاستيطان الحكومي الرسمي إلى نمط “الخصخصة الميدانية”، بعد إقرار نحو 28 ألف وحدة استيطانية عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ سنوات طويلة. كما برز منذ ذلك الحين ما يُعرف بـ”الاستيطان الرعوي”، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمةً مع قطيع أغنام، ثم يسيطرون، رويداً رويداً، على آلاف الدونمات المحيطة بها، في ظلّ حماية وتأمين كاملين من “الجيش”.

بحسب بيانات فلسطينية رسمية، يبلغ عدد المستوطنين في مستعمرات الضفة الغربية أكثر من 780 ألف مستوطن، فيما يبلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية نحو 544 مستوطنةً وبؤرةً، من بينها 192 مستوطنةً رسميةً، و355 بؤرةً استيطانيةً، تنتشر في مختلف محافظات الضفة، وتتصدّرها، من حيث عدد المستوطنات، محافظات رام الله والبيرة، والخليل، ونابلس. وتلتهم، إلى جانب شوارعها الالتفافية، مساحات واسعة تتجاوز 12% من مجمل أراضي الضفة الغربية.

كلّ ما سبق من أرقام، سواء على صعيد عدد المستوطنات أو المستوطنين، وهي أرقام مرشّحة للارتفاع خلال الفترة المقبلة، إضافةً إلى ارتفاع منسوب الاعتداءات والانتهاكات التي باتت مدعومةً من الائتلاف اليميني الحاكم في “إسرائيل” كما لم يحدث من قبل، يجعل فرضيّة انفجار الأوضاع في مدن الضفة متوقّعةً وممكنةً، بل تكاد تتحوّل هذه الفرضيّة إلى أمر واقع، ولا سيما بعد التصدّي البطولي لسكان قرية “تل”، والذي يمكن أن يتكرّر، كما يتوقّع كثيرون، في مناطق أخرى، خصوصاً في ظلّ تنامي الدعوات الاستيطانية إلى القيام بالمزيد من عمليات الاستيلاء على الأراضي والمنازل الفلسطينية، وطرد أصحابها الأصليين منها.

في مرحلة سابقة، تحلّى الفلسطينيون من سكان الضفة بالكثير من ضبط النفس، ولا سيما بعد التغوّل الإسرائيلي غير المسبوق الذي تلا اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، إضافة إلى المحاولات الحثيثة التي قامت، وما زالت تقوم بها، السلطة الفلسطينية للحدّ من تداعيات اعتداءات المستوطنين وجرائم “الجيش”، التي وصلت إلى تدمير مساحات واسعة من مخيمات شمال الضفة، ولا سيما في جنين وطولكرم، وهو الأمر الذي لم تبذل فيه السلطة أيّ جهد يُذكر من أجل وقفه، أو حتى التقليل من انعكاساته على حياة سكان هذه المخيمات، الذين طُردوا من منازلهم، وأصبحوا بلا مأوى بين ليلة وضحاها.

في الآونة الأخيرة، يبدو أنّ المزاج العامّ للمواطنين الفلسطينيين في مدن الضفة قد بدأ يتغيّر باتجاه المواجهة، حيث بدا هذا الأمر واضحاً في ارتفاع وتيرة العمليات الفردية، من دهس وطعن، كما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين، أو من خلال عمليات التصدّي لهجمات المستوطنين في أكثر من مكان، وكان أبرزها في قرية “تل” قضاء نابلس.

يمكن قراءة هذا التحوّل، وإن كان محدوداً حتى الآن، على أنه استجابة لجملة من الأحداث التي وقعت مؤخّراً، وشابها الكثير من الاستفزازات من قبل المستوطنين، إضافةً إلى نفاد صبر الفلسطينيين نتيجة عدم تراجع وتيرة الاعتداءات من جهة، والمواقف الخجولة والعاجزة للسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، والتي تخلّت، كما يبدو، عن كثير من مهامها في الدفاع عن شعبها وحماية مصالحه، وبات شغلها الشاغل تأمين حياة جنود الاحتلال والمستوطنين الصهاينة الذين يدخلون المناطق الفلسطينية عن طريق الخطأ. في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية هناك تحذيرات من تصاعد العمليات في الضفة، ومن إمكانية تحوّلها، في مرحلة ما، إلى ما يشبه “طوفان الضفة”، خصوصاً في ظلّ تبنّي الحكومة الإسرائيلية لمعظم اعتداءات المستوطنين، وشرعنتها للكثير من البؤر الاستيطانية التي كانت حكومات سابقة قد صنّفتها بأنها غير شرعية ومخالفة للقانون.

إلى جانب أجهزة الاستخبارات، هناك الكثير من وسائل الإعلام وكبار الكتّاب في “إسرائيل” يحذّرون من الأمر نفسه، وهو ما قالته الصحافية الإسرائيلية الشهيرة “عميرة هاس” قبل عدة أيام، حيث أشارت إلى أنّ الفلسطينيين، الذين أظهروا قدراً كبيراً من ضبط النفس في مواجهة ارتفاع وتيرة الاعتداءات والجولات الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون في مناطقهم، بدأ صبرهم ينفد، معتبرةً أنّ الاستفزازات الممنهجة التي يقوم بها المستوطنون تُقرّب “إسرائيل” من تنفيذ “خطة الحسم” التي يتبنّاها الوزير “بتسلئيل سموتريتش”، وهي الخطة التي تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين، ودفعهم إلى الهجرة الجماعية، وتفكيك كلّ أشكال التماسك الاجتماعي الداخلي.

في حال انفجر “طوفان الضفة”، كما يتوقّع كثيرون، سيصبح المشهد في المنطقة أكثر تأزّماً وتعقيداً، ليس فقط بسبب وجود السلطة الفلسطينية المعترف بها دولياً هناك، وليس فقط بسبب ردود الفعل الدولية المتوقّعة، التي ترفض أيّ وصاية إسرائيلية على مدن الضفة ذات السيادة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو، وإنما، قبل هذا وذاك، بسبب البيئة الجغرافية لمدن الضفة، التي يمكن أن تتحوّل إلى كمائن قاتلة لآلاف المستوطنين الذين يجوبون شوارعها صباح مساء، وحتى لجنود “الجيش”، الذين واجهوا، على الدوام، ظروفاً عملياتية صعبة أثناء قتالهم في مدن ومخيمات الضفة، وهي المدن والمخيمات التي لا يحتاج الوصول منها إلى قلب بعض المدن الإسرائيلية سوى إلى دقائق معدودات، وهذا الأمر تحديداً يعني الكثير بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية في “إسرائيل”.

في الأسابيع المقبلة، يمكن لنا توقّع اندلاع موجة كبيرة من الهجمات الفردية، بل وربما المواجهات الشعبية الواسعة، التي ستأتي، من دون أدنى شكّ، رداً على زيادة منسوب الهجمات العدوانية للمستوطنين الصهاينة، وكذلك رداً على بعض المشاريع التوسّعية التي تسعى حكومة نتنياهو إلى تنفيذها على الأرض، وهي المشاريع التي ستصادر آلاف الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين، الذين باتوا يشعرون، أكثر من أيّ وقت مضى، بأنّ وجودهم فوق أرضهم أصبح مهدّداً، وأنهم بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والتضحيات من أجل إفشال مخططات الاحتلال، وهو الأمر الذي يجيده الفلسطينيون أكثر من أيّ شعب في العالم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى