رأي

الجيش والاقتصاد في الصين… هل يخنق أحدهما الآخر؟

سامر خير أحمد – العربي الجديد:

يبدو أنّ خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ في الأول من يوليو/ تموز الجاري، بمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ينطوي على معنى يتجاوز الدعوة المباشرة لبناء جيش “عالمي المستوى” وتسريع تحديث القوات المسلّحة، فحين يقول شي إنّ “أيّ دولة قوية لا بدّ أن يكون لها جيش قوي، والجيش القوي وحده هو ما يضمن الأمن الوطني”، فإنّه لا يكرّر عبارة بروتوكولية معتادة في خطابات القادة، بل يعلن ضمنياً أنّ الصين حسمت الجدل القديم داخل نخبتها بين مَن يرى أنّ الأولوية ينبغي أن تكون للتنمية الاقتصادية على حساب الإنفاق العسكري، ومَن يرى أنّ التنمية والجيش مشروع واحد لا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
هذا التحوّل يعكس قراءةً استراتيجيةً لموقع الصين الراهن. إذ ظلّت بكين، منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978 على يد الزعيم دينغ شياو بنغ، تعمل بمنطق “التنمية أولاً”، وتستعمل هدوءها الاستراتيجي أداةً لجذب الاستثمارات والاندماج في الاقتصاد العالمي، بينما يُترك الجيش في المؤخّرة يقوم بواجباته الدفاعية الحدودية من دون طموحات إقليمية أو عالمية. لكنّ هذه الصيغة استُنفدت بالتدريج مع تحوّل الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتضخّم مصالحها التجارية في كلّ القارات، وبناء شبكة هائلة من الاستثمارات والموانئ والبنى التحتية عبر مبادرة الحزام والطريق، فباتت الصين تحتاج جيشاً قادراً على حماية مصالحها خارج حدودها، لا على مراقبة حدودها تلك وحسب.

لا تعتبر الصين الإنفاق العسكري تكلفةً مقتطعةً من التنمية، بل فرعاً من فروع التنمية ذاتها عبر ربطه بالصناعات التكنولوجية المتقدّمة

ومن هنا؛ الجديد في خطاب شي إعادة تعريف الوظيفة السياسية للجيش. لم يعد “جيش التحرير الشعبي” هو حارس السيادة الجغرافية للصين وحسب، بل حارس المشروع التنموي الصيني الممتدّ إلى ما وراء الجغرافيا الصينية. وهذا يعني عمليّاً أنّ الجيش سيتحوّل من قوّة بحرية إقليمية تحمي المياه المجاورة، إلى قوّة عابرة للقارّات قادرة على تأمين خطوط الملاحة في المحيط الهندي، ومضيق ملقا، وباب المندب، وموانئ أفريقيا، حيث تتدفّق الطاقة الروسية والإيرانية والخليجية والأفريقية إلى المصانع الصينية، وحيث تُصدَّر البضائع الصينية إلى العالم. جيش “عالمي المستوى” وفق المنطق الصيني هو الجيش الذي يستطيع حماية اقتصاد “عالمي المستوى”.
ولا يمكن قراءة هذه التطلعات بمعزل عن الطموحات التي حدّدها الحزب الشيوعي لمشروعه الاستراتيجي. فالذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي تحلّ في الأول من أغسطس/ آب من العام المقبل 2027، والذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية الشعبية تحلّ في عام 2049، وهدف بناء الجيش “عالمي المستوى” تحدّد في عام 2050. هذه المواعيد الثلاثة تشكّل معاً هيكلاً تخطيطياً واحداً، يربط ذكرى الجيش بذكرى الدولة بهدف القوة العسكرية النهائية، بحيث تسير التنمية الاقتصادية والقدرة العسكرية في خطّين متوازيَين متكاملَين. وحين يستعجل شي البناء العسكري، فإنّه لا يفعل ذلك لأنّ ثمّة تهديداً وشيكاً يتربّص بالصين، بل لأنّه يريد تقليص الفجوة بين موعد وصول بلاده إلى قمّة الاقتصاد العالمي، وموعد امتلاك الأدوات العسكرية اللازمة لحماية تلك القمّة، أي أنّه يريد أن تصل الأداتان الاقتصادية والعسكرية إلى النضج في اللحظة ذاتها.
ومن اللافت أنّ شي جمع بين دعوته لتسريع البناء العسكري، وضرورة “الدفع الشامل بالبناء السياسي للجيش” و”إدارة القوات المسلّحة وفق القانون”، وهي عبارات تعني (في الخطاب السياسي الصيني) الاستمرار في الحملات المكثّفة لمكافحة الفساد داخل صفوف كبار قادة الجيش، التي شهدت في السنوات الماضية عزل عدد من الجنرالات الكبار والتحقيق معهم. وهذا التلازم بين طموح “الجيش العالمي” وحملة تطهيره ليس اعتباطياً، فبكين تدرك أنّ مليارات اليوانات التي تُضخ في التسليح والتقنية العسكرية لن تُؤتي ثمارها إذا كانت المؤسّسة العسكرية مثقلةً بالفساد.

وفق المنتطق الصيني: جيش “عالمي المستوى” هو الجيش الذي يستطيع حماية اقتصاد “عالمي المستوى”

لكن هل تستطيع الصين فعلاً تحقيق طموحَيها الاقتصادي والعسكري في وقت واحد، من دون أن يخنق أحدهما الآخر؟ التاريخ الحديث يحفل بأمثلة لدول حاولت المزاوجة بين التنمية والتسلّح الكبير، فانتهت إلى إنهاك الاقتصاد لمصلحة الجيش، أبرزها الاتحاد السوفييتي. لكنّ الفارق أنّ الصين تتعامل اليوم مع المسألة بمنطق مختلف، إذ لا تعتبر الإنفاق العسكري تكلفةً مقتطعةً من التنمية، بل فرعاً من فروع التنمية ذاتها عبر ربطه بالصناعات التكنولوجية المتقدّمة كالطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي والروبوتيات، فتنعكس الاستثمارات العسكرية على القطاع المدني وتتغذّى القطاعات المدنية على الحاجات العسكرية. هذه العلاقة الدائرية بين المدني والعسكري هي جوهر ما تسمّيه بكين “التحديث على النمط الصيني”، وهي العلاقة ذاتها التي أتقنتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، طوّرت لها الإنترنت والاتصالات الفضائية وسواها من الابتكارات التي أعادت تعريف الاقتصاد العالمي.
وهذا يفسّر لماذا لا تشعر بكين بأنّها مضطرّة للاختيار بين هدفها الاقتصادي وهدفها العسكري. فالطريق إليهما واحد، قوامه الابتكار التكنولوجي. وحين تفهم دول العالم هذه المعادلة، ستدرك أنّ قوّة الصين المقبلة ليست قوّة اقتصادية أو قوّة عسكرية، بل قوّة نموذج، وأن هذا هو التهديد الأكبر الذي تواجهه القوى الغربية القائمة على تفوّقها التاريخي في كليهما منفصلَين.
أمّا الولايات المتحدة، التي رأت استراتيجية أمنها القومي أخيراً أنّ التحدي الأساسي أمامها هو “اختلال ميزان القوّة الاقتصادية” مع الصين، فتبدو اليوم أمام ثلاثة احتمالات: مواصلة الصدام الاقتصادي مع بكين بحرب الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية، أو تسريع التسلّح لضمان التفوّق العسكري المستمرّ على الصين، أو محاولة التفاهم الحذر معها من داخل الواقع التنافسي القائم. لكن كلّ واحد من هذه الخيارات سيكون مكلفاً لواشنطن التي تجد نفسها في حاجة ماسّة إلى ابتكار أدوات لم تجرّبها من قبل مع القوى المنافسة، ذلك أنّ أدواتها القديمة من الاحتواء إلى التطويق إلى الحصار، لم تعد (في حالة التعامل مع الصين) كافيةً للنجاح والتفوّق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى