أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: عام ترامب بألف عام

لم يكن وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية حدثاً عابراً في مسار السياسة الدولية، بل شكّل منذ أيامه الأولى زلزالاً سياسياً أعاد خلط الأوراق وقلب قواعد كانت تُعتبر حتى الأمس القريب من المسلّمات.
بدا وكأن العالم دخل زمناً سياسياً جديداً، تتسارع فيه الوقائع إلى حد أن عاماً واحداً من قرارات ترامب كان كافيا ليوازي تأثير عقد كامل من السياسات التقليدية، بل ربما أكثر.
اعتمد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض نهج القرارات الأحادية، متجاوزاً الأعراف الدبلوماسية والمؤسسات الدولية، ومقدماً منطق “أميركا أولاً” على أي شراكة أو توازن دولي. هذا الشعار لم يبق حبراً على ورق، بل تُرجم انسحابات مفاجئة من اتفاقيات دولية، وفرض عقوبات، وفتح جبهات سياسية واقتصادية، من دون اكتراث يُذكر بتداعياتها على الاستقرار العالمي. بدا واضحاً أن منطق الصفقة حلّ مكان منطق التحالف، وأن السياسة الخارجية تحوّلت إلى إدارة مصالح آنية لا إلى رؤية بعيدة المدى.
في الشرق الأوسط، أحدثت قرارات ترامب تحولات عميقة. نقل السفارة الأميركية إلى القدس، الاعتراف بوقائع فرضتها القوة، والتعامل مع قضايا شديدة الحساسية مثل غزة بعقلية رجل الأعمال لا رجل الدولة، كلّها خطوات فجّرت توازنات هشة أصلاً. هذه القرارات لم تُنه الأزمات، بل عمّقتها، ودفعت المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام، في وقت كان العالم ينتظر دوراً أميركياً أكثر توازناً وقدرة على التهدئة.
أما على الصعيد الدولي الأوسع، فقد ساهمت سياسات ترامب في إضعاف الثقة بالنظام العالمي القائم، حلفاء تاريخيون وجدوا أنفسهم فجأة موضع تشكيك كفرنسا على سبيل المثال، واتفاقيات تجارية وأمنية تعرّضت للاهتزاز، فيما ارتفعت حدة الحروب الاقتصادية والرسوم الجمركية التي لم نكن تخطر ببال أحد.
هذا السلوك فتح الباب أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ، وأعاد إحياء صراعات نفوذ ظنّ كثيرون أنها أصبحت من الماضي.
أما في الداخل الأميركي، لم تكن الانقسامات أقل حدّة أسلوب الحكم الصدامي، والقرارات المفاجئة، والخطاب الشعبوي، كلّها عناصر عمّقت الشرخ داخل المجتمع الأميركي نفسه. لكن المفارقة أن تأثير هذه السياسات لم يبق محصوراً داخل الحدود الأميركية، بل ارتدّ على العالم بأسره، نظراً لمكانة الولايات المتحدة ودورها المحوري في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
ما يجعل “عام ترامب بألف عام” ليس فقط كثافة القرارات، بل طبيعتها، فهي كانت قرارات سريعة، وحادة، وغالباً ما تُتخذ خارج الأطر التقليدية، وتترك وراءها تداعيات طويلة الأمد. لقد تحوّل عامل الزمن في السياسة الدولية خلال هذه المرحلة، فالأحداث تتلاحق بوتيرة غير مسبوقة، والنتائج تتراكم قبل أن يستوعب العالم ما جرى.
وهذا يقود الى الإستنتاج، أن عهد ترامب لم يكن مجرد مرحلة سياسية عادية، بل تجربة أعادت تعريف مفهوم القيادة الأميركية وحدودها. تجربة أثبتت أن قراراً واحداً يمكن أن يغيّر مسار منطقة، وأن سياسة أحادية قادرة على هزّ نظام عالمي بأكمله. لذلك، لم يكن غريباً أن يشعر العالم بأن عاماً واحداً في ظل ترامب يعادل ألف عام من التحولات، وأن ما بعده لن يكون كما قبله.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى