ذكرى الاستقلال تحت عباءة ترامب: أميركا تستعيد وهم «الاصطفاء الإلهي»

ريم هاني – الأخبار:
في ظلّ احتفالات صاخبة بذكرى الاستقلال، تعود في الولايات المتحدة سرديات «الاصطفاء الإلهي» إلى الواجهة بصيغة أكثر حدّة مع دونالد ترامب، في مشهد يعكس تآكل المبادئ التأسيسية لصالح خطاب يمزج بين الدين والسياسة ويبرّر نزعات توسّعية جديدة.
ممّا قد لا يعرفه كثيرون، أن مضمون «وثيقة الاستقلال» الأميركية لم يقتصر على الجمل الفلسفية الرنّانة التي اكتسبت شهرة واسعة، من مثل أن «جميع البشر خُلقوا متساوين»، بل إن الجزء الأكبر منها كان، في الواقع، عبارة عن «لائحة اتهام» قانونية وجنائية موجَّهة مباشرة ضدّ الملك البريطاني جورج الثالث، إذ تضمّنت الوثيقة، الصادرة عام 1776، سرداً لـ27 انتهاكاً ارتكبها زعيم وُصف بأنه «لا يصلح ليكون حاكماً لشعب حرّ»، بل بأنه «طاغية». وشملت قائمة «خطايا» الملك جورج الثالث «قطع تجارتنا مع جميع أنحاء العالم»، وتثبيط الهجرة، وإرسال «أسراب من الموظفين للتنكيل بشعبنا»، و«نقلنا عبر البحار لمحاكمتنا على جرائم مزعومة». أفعالٌ يتساءل الكاتب الأميركي، تيد ويدمر، في مقال نشرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية عشية الاحتفال، عمّا إذا كانت «تذكّرنا بشيء من الحاضر؟». هذه السنة، وعلى الرغم من «الزخم الاحتفالي» الذي رافق الذكرى، إلّا أن وثيقة إعلان الاستقلال نفسها بدت غائبة عن المشهد، ما دفع مُعِدّ التقرير إلى اعتبار ذلك مؤشراً على أن «جوهر المبادئ التأسيسية لأميركا بات يتوارى خلف قشور الاستعراضات الصاخبة»، وإن كانت الوثيقة المُشار إليها، بحدّ ذاتها، «غير تقدّمية» على الإطلاق، ولا سيما أنها صيغت بلغة قاسية تجاه «الهمج من الهنود الحمر العديمي الرحمة»، وتضمّنت إشارة إلى «التمرّدات الداخلية»، في تسمية تلطيفية لثورات العبيد.
الشعب «الإلهي»
قبل مئتَي عام، وتحديداً في الرابع من تموز 1826، توفي توماس جيفرسون وجون آدامز على بُعد ساعات قليلة من بعضهما. آنذاك، ذُهِل الأميركيون من أن أبوَي إعلان الاستقلال، أي جيفرسون بصفته صائغه، وآدامر بصفته المدافع الرئيس عنه، توفّيا في اليوم نفسه، وأن هذا اليوم كان الرابع من تموز، وأن ذاك الرابع من تموز تحديداً تزامن مع الذكرى الخمسين لإعلان الاستقلال. مصادفاتٌ دفعت الكثير من الأميركيين إلى عدّها إشارة إلى الرضى الإلهي، فيما قال وزير الحرب وقتها، جيمس بربور، إن «تزامن الظروف بهذا الشكل العجيب يؤكّد على الأمل في أن ازدهار هذه الولايات يحظى برعاية خاصة من العناية الإلهية». وفي وقت لاحق، أصرّ ملاك العبيد على أن الاستعباد البشري يمثّل إرادة الله؛ حتى إن جيمس هنري هاموند، وهو نائب عن ولاية كارولاينا الجنوبية، قال عام 1836: «يُقال إن العبودية شرّ، ولكنني على العكس من ذلك، أعتقد أنها أعظم البركات الكبرى التي منحتها العناية الإلهية لمنطقتنا المجيدة». وبحسب تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» بالمناسبة، يعود النموذج المبكر الأكثر شهرة لـ«العناية الإلهية الأميركية» إلى الخطبة التي ألقاها جون وينثروب على زملائه البيوريتانيين أو الطهريين – في إشارة إلى مذهب مسيحي بروتستانتي -، عام 1630، قبيل إبحارهم عبر المحيط الأطلسي؛ إذ استعار وينثروب آنذاك من «موعظة الجبل» حديثاً عن «مدينة فوق تلّة» سيبنونها عند وصولهم إلى ماساتشوستس. ومع هذا، أوضح وينثروب أن اختيار الله لهم يفرض على البيوريتان عبئاً خاصاً لإقامة العدل والرحمة، مؤكّداً أن الفشل في الوفاء بجانبهم من الاتفاق سيؤدي، حتماً، إلى غضب إلهي. وفي وقت لاحق، عزّزت بعض حالات «النجاة» والانتصارات غير المُتوقَّعة خلال حرب الاستقلال، هذه الأفكار.
غابت وثيقة إعلان الاستقلال بشكل غريب عن المشهد العام للاحتفالات
وعلى الرغم من أن جون آدامز (الرئيس الثاني للبلاد) رفض هذا الطرح تماماً، ووصفه بأنه «خداع للذات وضلال يشبه ضلال الفريسيين»، مؤكّداً أن الأميركيين ليسوا شعباً مختاراً، بل هم بشر كغيرهم وسيمضون في طريق الفناء كبقية أهل الأرض، سرعان ما تبنّى خلَفه توماس جيفرسون الفرضية القائلة إن أميركا «بلد مختار»، ويحظى برعاية «العناية الإلهية المهيمنة التي تقود الأمّة بنوايا خيرة». واليوم، يقدّم دونالد ترامب، صيغة جديدة وخطيرة لمفهوم «العناية الإلهية»؛ فبعد نجاته من محاولة اغتيال أصابت أذنه عام 2024، بدأ يتحدّث عن نفسه بوصفه ناجياً بمشيئة إلهية، ومع تولّيه منصبه في ولايته الثانية، سارع إلى إحياء فكرة «المصير الحتمي» المدفوعة بالعناية الإلهية كذريعة لطموحات توسّعية، من بينها جعل كندا الولاية الحادية والخمسين. وإلى جانب تهديداته بحرب مدمّرة (هرمجدون) في إيران، ونشره صوراً تُشبِّهه بالمسيح، استدعى وزير دفاعه، بيت هيغسيث، العناية الإلهية لتمجيد قتل الإيرانيين، في طرح حمل حتى البابا على توبيخه ضمناً.
إسقاطات بين الماضي والحاضر
فيما تتوشّح إدارة ترامب بالأعلام وتتزيّن بالذهب في ذكرى الاستقلال، تَبرز دعوات – من مثل ما ذهب إليه ويدمر – إلى التمعّن في تحذير جون آدامز التاريخي حين كتب عام 1812: «أخشى أننا نحن الأميركيين، بدلاً من أن نكون الشعب الأكثر تنوّراً، سنكتسب قريباً صفة الشعب الأكثر غباءً تحت السماوات»، في حين يحضّ البعض، ممّن يتجاهلون البعد الإمبريالي للولايات المتحدة ويركّزون على ما يسمّونه «النموذج» الذي تمثّله والذي يجدر – بحسبهم – أن يبقى محفوظاً، على التمعّن في الأسباب التي حملتها وثيقة إعلان الاستقلال لتبرير شنّ الحرب على الملكية البريطانية. وفي هذا الإطار، تشير صحيفة «ذي غارديان»، في تقرير منفصل، إلى أنه في حين كان شعار «لا ضرائب من دون تمثيل» الأكثر شهرة بوصفه تعبيراً عن الشكوى الجوهرية للمستعمرين من «قانون الدمغة» لعام 1765، ومن سلسلة الضرائب التي فرضها التاج البريطاني بعد ذلك، فإن تلك الضرائب لم تكن المحفّز الوحيد للحرب، إذ تشمل الشكاوى البارزة الأخرى، الاعتراض على إقحام القوات العسكرية في الحياة المدنية من دون موافقة المجالس التشريعية للمستعمرات، وإرسال ضباط بريطانيين للتنكيل بالشعب، وإجبار المدنيين على إيوائهم في منازلهم الخاصة، ومحاولة إخضاع الحكومات المدنية لسيطرة المؤسسة العسكرية، فضلاً عن التحريض على عمليات تمرّد داخلي بين السكان، وحثّ الهنود الحمر على مهاجمة المستعمرين.
وبحسب مُعِدّ التقرير، فإن هذه القائمة من الشكاوى تبدو لافتة للانتباه في ضوء أحداث يومنا هذا. فإذا ما استبدلنا الضباط البريطانيين بـ«وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» (ICE) و«وكالة الجمارك وحماية الحدود» (CBP)، واستبدلنا نشر الجيوش النظامية بين الناس بنشر قوات الحرس الوطني وقوات مشاة البحرية في المدن الأميركية عام 2025، وتحريض الهنود الحمر بتصوير الاحتجاجات في بورتلاند عام 2020 ومينيسوتا عام 2026 على أنها اضطرابات مدنية عنيفة تستدعي استخدام القوة الفيدرالية، فستبدو الصورتان متشابهتَين إلى حدّ «يبعث على القلق». ورغم أن فكرة استخدام الرئيس للقوات الفيدرالية للتأثير على الانتخابات المحلية قد تبدو مُستبعدة، إلّا أنها، بحسب المصدر نفسه، ليست كذلك؛ فبعد خسارته في انتخابات 2020، ناقش دونالد ترامب خطة مع حلفاء بارزين لمصادرة أجهزة التصويت بواسطة الجيش وإعادة إجراء الانتخابات. ومع أن مستشاريه أقنعوه بالتراجع عنها حينها، إلّا أنه أعرب أخيراً عن ندمه لعدم المضيّ قدُماً فيها، فيما قد لا تواجه أيّ محاولة مستقبلية مماثلة من جانبه عقبات نظراً إلى عدم وجود مسؤولين كبار يكبحون جماحه. وممّا يعزّز ذلك الاحتمال أن حوافز ترامب للتدخل في الانتخابات النصفية تَظهر مرتفعة للغاية، ومدفوعة برغبته في حماية نفسه من خطر عزل محتمل أو تحقيقات قد يطلقها مجلس نواب يقوده الديمقراطيون، وهي تحقيقات قد تفضي في النهاية إلى ملاحقته قضائياً بتهم جنائية من قِبل الإدارة القادمة.




