لماذا لا تزال قاعدة “باغرام” الأفغانية هدفاً أميركياً بعد 5 سنوات على الانسحاب؟

عمران فيروز – موقع “Drop Site News”:
زعمت مقاطع فيديو واسعة الانتشار وتعليقات متداولة عبر الإنترنت أنّ القوات الأميركية أعادت، بعيداً عن الأنظار، السيطرة على أكثر القواعد العسكرية شهرةً في أفغانستان.
قال عبد المعروف، البالغ من العمر 38 عاماً والمقيم في كابول: “لقد عادوا! الله وحده يعلم ما الذي يفعلونه، لكنهم عادوا، وطالبان تتكتم على الأمر”. لم يكن عبد المعروف قد زار قاعدة “باغرام” بنفسه. وكحال الكثيرين في العاصمة، سمع القصة من أصدقاء وأقارب ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تؤكد رصد مركبات عسكرية أجنبية وطائرات تحلق على ارتفاع منخفض بالقرب من محيط القاعدة. وفي كابول، حيث يغذي القلق السياسي دوامةً لا تهدأ من الشائعات، تتكرر هذه المزاعم وكأنها حقيقة محسومة.
وعلى مدى أشهر، زعمت مقاطع فيديو واسعة الانتشار وتعليقات متداولة عبر الإنترنت أن القوات الأميركية استعادت بهدوء السيطرة على المطار العسكري الشاسع الواقع شمالي العاصمة، أو أن حركة طالبان تديره حالياً بموجب اتفاق سري مع واشنطن. لكن داخل “باغرام” نفسها، تتبدد هذه الرواية.
وقال عبد اللطيف، البالغ من العمر 60 عاماً والمقيم في المنطقة منذ ولادته: “لقد سمعت بهذه الشائعات. فقد اتصل بي أقارب من مختلف المناطق ليسألوا عما إذا كان الأميركيون قد عادوا. لكن الأمر غير صحيح. لقد كنت هنا عندما وصل الأميركيون لأول مرة عام 2001. ولا شيء من هذا القبيل يحدث الآن”. وقدّم جميع السكان المحليين الذين جرى التواصل معهم حول محيط القاعدة وفي الأسواق المجاورة الرواية نفسها: الرجال المسلحون الوحيدون الذين يدخلون القاعدة ويخرجون منها هم مقاتلو طالبان. ولا يوجد أي متعاقدين أجانب ولا أميركيون. وبحسب عبد اللطيف، يتلقى السكان اتصالات هاتفية متواصلة من أفراد عائلاتهم في مختلف أنحاء أفغانستان ومن أفراد الجالية الأفغانية في الخارج، وجميعهم يبحثون عن تأكيد للتقارير المتداولة على نطاق واسع. أما الإجابة التي يسمعونها عند بوابات القاعدة فتظل واحدة: “لا شيء يحدث هنا”.
ومع أن السكان المحليين ينفون الشائعات المتداولة بشأن عودة الأميركيين، فإن الأجواء فوق قاعدة “باغرام” لم تخلُ تماماً من النشاط. ففي أواخر شباط/ فبراير ومطلع آذار/ مارس 2026، وعلى خلفية تصعيد عنيف عبر الحدود بين إسلام آباد وكابول، استهدفت غارات جوية باكستانية المنشأة. وزعمت حكومة طالبان أن منظومات الدفاع الجوي التابعة لها اعترضت الهجوم، في حين أشارت تقارير محلية وصور للأقمار الصناعية إلى أن الغارات أصابت أجزاءً خارجية من المنشأة. وبالنسبة للسكان القاطنين عند أطراف القاعدة، شكّلت تلك الضربات تذكيراً صارخاً بأن قاعدة “باغرام” لا تزال هدفاً على رقعة الشطرنج الإقليمية، حتى في غياب القوات الأميركية على الأرض.
يخيم صمت ثقيل ومحفوف بالمخاطر اليوم على ما كان يوماً القلب اللوجستي لـ”الحرب على الإرهاب” التي قادتها الولايات المتحدة. وتتمتع قاعدة “باغرام” الجوية بتاريخ عسكري عريق؛ فقد شُيدت بمساعدة سوفياتية في خمسينيات القرن الماضي، في وقت كانت فيه واشنطن وموسكو تتنافسان على النفوذ في كابول التي تبنت آنذاك سياسة عدم الانحياز. ثم تحولت إلى مركز الانطلاق الرئيس للجيش السوفياتي خلال احتلاله لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، الذي اتسم بالعنف، ومنها شُنّت غارات جوية ونُفذت مهام قتالية في مختلف أنحاء البلاد. وعقب الانسحاب السوفياتي، ظلت القاعدة مسرحاً لصراعات متكررة خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، لتتحوّل في نهاية المطاف إلى خط مواجهة محصّن بين حركة طالبان وتحالف الشمال.
وبعد أواخر عام 2001، حوّلت القوات الأميركية وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” قاعدة “باغرام” إلى حامية عسكرية ضخمة شديدة التحصين. وفي ذروة نشاطها، كانت القاعدة تضم عشرات الآلاف من الأفراد، وتعمل أشبه بضاحية أميركية معزولة، مكتملة بطرق معبّدة ومراكز للياقة البدنية وسلاسل مطاعم للوجبات السريعة مثل “برغر كينغ” و”بيتزا هت”. وعلى مسافة قصيرة من هذه المرافق، كان يقع مركز الاحتجاز التابع للقاعدة، حيث احتُجز آلاف الأفغان لسنوات من دون محاكمة، ووُثقت فيه بصورة منهجية حالات لتعذيب السجناء وإساءة معاملتهم بقسوة. كما شكلت “باغرام” نقطة ارتكاز لشبكات سرية أوسع نطاقاً، إذ ارتبطت بمواقع احتجاز سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في الجوار – مثل موقع “سولت بيت” (Salt Pit) – حيث كان المحتجزون يخضعون لأساليب استجواب وحشية، شملت الضرب والعزل لفترات طويلة والتعرض لبرد قارس وأشكال أخرى من التعذيب.
قاعدة تريد واشنطن استعادتها
إن استمرار الشائعات حول عودة الأميركيين يعود جزئياً إلى حالة الغموض التي تحيط بالقاعدة في الوقت الراهن. وخلال العامين الماضيين، شهدت الإجراءات الأمنية وعمليات الدخول إلى المنشأة تشديداً ملحوظاً. وخلال زيارتي إلى قاعدة “باغرام”، رافقني ضابط من جهاز استخبارات طالبان، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته. وقد نفى بشكل قاطع المزاعم المتعلقة بوجود قوات أجنبية. وقال: “كل هذه أخبار زائفة. نحن نسيطر على القاعدة بأكملها. ولا يوجد أميركيون هنا، ولن نقبل أبداً بوجود عسكري أجنبي في أفغانستان. ولهذا السبب حاربناهم لمدة 20 عاماً”. لكن عندما حاول دخول القاعدة برفقتي، منعنا الحراس من الدخول. إذ لم يتمكن من عبور الطوق الأمني رغم امتلاكه أوراقاً تثبت هويته وصفته الرسمية. فقال: “للأسف، الأمر خارج عن سيطرتنا. فوزارة الدفاع هي التي تقرر من يُسمح له بالدخول”. وقد واصل هذا الفصل في الصلاحيات تأجيج الشكوك داخل البلاد بشأن الموقع. في المقابل، لا يزال الاهتمام الاستراتيجي بقاعدة “باغرام” قائماً على الصعيد الدولي. ففي أيلول/ سبتمبر 2025، صرّح الرئيس دونالد ترامب علناً بأن الولايات المتحدة ينبغي أن تسعى إلى استعادة السيطرة على هذه القاعدة، مشيراً إلى موقعها الاستراتيجي القريب من الحدود الصينية والإيرانية. وتُعد “باغرام” – الواقعة في مقاطعة باروان – موقعاً مثالياً لتنفيذ عمليات المراقبة التي تغطي آسيا الوسطى وإيران وباكستان وغرب الصين. وقد أشار السكان المحليون إلى أن الكثيرين منهم كانوا يعتقدون لسنوات أن واشنطن لن تتخلى أبداً عن منشأة تتمتع بمثل هذه القيمة الاستراتيجية.
ذكريات الحرب
بالنسبة إلى كثيرين ممن يعيشون بالقرب من القاعدة، مثّل رحيل القوات الأجنبية انهياراً للاقتصاد المحلي. ويقول محمد موسى، البالغ من العمر 18 عاماً، والذي يدير متجراً مع أفراد أسرته بالقرب من بوابات القاعدة: “كانت الأعمال مزدهرة عندما كان الأميركيون هنا. إذ كان هناك الكثير من الناس الذين يشترون السلع يومياً”. وفي ظل الوجود العسكري الأجنبي، أسهمت منظومة اقتصادية معقدة من المتعاقدين الرئيسيين والمتعاقدين من الباطن ومقدمي الخدمات في ضخ رؤوس أموال كبيرة في القرى المحيطة. وعلى الرغم من أن التكاليف السياسية والإنسانية للحرب كانت باهظة، فإن هذه المنظومة المالية وفّرت سبل العيش لآلاف الأسر المحلية. من جانبه، يقول عبد اللطيف – متحدثاً بصراحة على الرغم من وجود عناصر استخبارات تابعة لحركة طالبان في الجوار: “لقد عملنا وتمكنا من إعالة أسرنا؛ وبالنسبة لنا، لم يكن ذلك الجانب سيئاً”.
استمع الضباط المرافقون إلى هذه التصريحات من دون التدخل أو معاقبة المتحدثين، وإن كانوا يردون أحياناً بخطاب النظام الرسمي المتعلق بالسيادة الوطنية والانتصار على الاحتلال الأجنبي. وتعكس هذه التفاعلات واقعاً أكثر تعقيداً للصراع؛ فبالنسبة لمن عاشوا في محيطه المباشر، لم يُنظر إلى الوجود الأجنبي من منظور الاحتلال العسكري فحسب، بل أيضاً باعتباره فرصة تجارية. وحتى بعد مرور 5 سنوات على حكم حركة طالبان، لا تزال بقايا ذلك الاعتماد الاقتصادي حاضرة في الذاكرة المحلية. أما بالنسبة إلى آخرين، فتظل قاعدة “باغرام” مرتبطة في الأذهان بالانتهاكات الممنهجة التي ارتُكبت داخل سجونها.
طوال فترة الحرب، عمل مركز الاحتجاز في القاعدة إلى حد كبير بمعزلٍ عن الرقابة القانونية الدولية؛ إذ احتُجز المعتقلون لسنوات من دون توجيه تهم إليهم أو توفير تمثيل قانوني لهم. وقد وُثِّقت حالات بارزة من الانتهاكات المميتة – بما في ذلك وفاة المعتقلين الأفغانيين “ديلاوار” و”حبيب الله” عام 2002 على أيدي أفراد أميركيين- في تحقيقات عسكرية وتقارير استقصائية لاحقة. وقد قضى المفتي عبد الأحد حكيمي – الذي يشغل حالياً منصباً رفيعاً في حركة طالبان- عدداً من السنوات رهن الاعتقال في قاعدة “باغرام” إبان الحرب. ويقول حكيمي: “لقد تعرضت للتعذيب على أيدي جنود أميركيين وأفراد من القوات الأفغانية على حد سواء”، واصفاً الضغوط الجسدية والنفسية المطولة التي هدفت إلى إجباره على تغيير ولائه السياسي. “لقد تعرضت للتعذيب على أيدي الجنود الأميركيين ونظرائهم الأفغان على حد سواء. كانوا يريدون منا تقبّل نظامهم، لكنني رفضت ذلك”.
أُطلق سراح حكيمي في نهاية المطاف كجزء من عمليات تبادل الأسرى واسعة النطاق التي جرت في عهد إدارة الرئيس أشرف غني، وذلك عقب الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في الدوحة في شباط/ فبراير 2020. والجدير بالذكر أن الكثير ممن قضوا فترات اعتقال هناك إبان الحرب، وتعرضوا للتعذيب على يد القوات الأميركية وقوات الحكومة الأفغانية لا تربطهم أي صلات بالجماعات المسلحة. وقال: “إن غالبية الذين احتُجزوا في ’باغرام‘ لم يكونوا مقاتلين. كانوا مدنيين عاديين أُلقي القبض عليهم خلال مداهمات، لمجرد أنهم كانوا يعيشون في مناطق تشهد عمليات عسكرية أو تربطهم صلات محدودة بشخصيات بارزة”.
وبالنسبة إلى حكيمي، شكّل انهيار الجمهورية الأفغانية في آب/ أغسطس 2021 انقلاباً كاملاً في المشهد، إذ قال: “عندما حلّ 15 آب/ أغسطس، عدنا إلى ’باغرام‘، لا كسجناء، بل كمحرّرين لها”.
من يوجد داخل القاعدة اليوم؟
لقد أدى تاريخ “باغرام” كسجن إلى ظهور مجموعة ثانية من الشائعات حول دوره الحالي؛ إذ تشير تقارير واردة من أنحاء أفغانستان إلى أن حركة طالبان تستخدم المنشأة لاحتجاز مشتبه بهم في قضايا جنائية، وأفراد يُزعم انتماؤهم لتنظيم “الدولة الإسلامية – ولاية خراسان” (ISKP)، ومعارضين سياسيين. وقد أقر حكيمي بأن أجزاءً من المنشأة لا تزال قيد التشغيل تحت إشراف وزارة الدفاع، لكنه رفض الكشف عن أعداد المحتجزين أو هوياتهم أو المعايير القانونية التي تحكم احتجازهم.
خارج أسوار المنشأة، تتواصل الحياة اليومية في محيط سوق “باغرام” بوتيرة طبيعية، وإن تخللتها لحظات من التوتر. وتمر أرتال من مركبات حركة طالبان عبر البوابات الخارجية بين الحين والآخر، لكن المنطقة المحيطة تظل هادئة. فعلى مدى عقدين من الزمن، ظلت القاعدة بمثابة معقل شديد التحصين للقوة العسكرية الأجنبية؛ أما اليوم، فيجد السكان المجاورون لها أنفسهم مضطرين للتعامل مع إرث ذلك الوجود، إلى جانب التهديد المستمر باندلاع صراع إقليمي جديد. ويقول محمد موسى، وهو صاحب متجر يقع بالقرب من الطريق: “كان الوضع مختلفاً تماماً في ذلك الحين… أما الآن، فقد خيّم الهدوء على كل شيء”.




