العراق.. هل بدأت الحرب الحقيقية على الفساد؟

شيروان الشميراني – الجزيرة:
في العراق.. هل بدأت عملية تصحيح المسار؟
في ساعات الفجر حدث أمر غير مألوف في العراق خلال العقدين ونصف العقد الماضيين، وربما منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة. مع أن الجميع كان بانتظار أن يحدث، أو على أمل أن يرى ما حدث، فإن مظاهر نزول القوات المسلحة إلى الشارع لم تكن ترى في السابق إلا لتنفيذ اعتقالات ومداهمات ضد عامة الناس، وأحيانا على خلفيات سياسية بين الأحزاب، أو ذات طابع طائفي، وكان المستهدف في كثير من الأحيان بريئا جنائيا، ومتهما سياسيا.
لكن المشاهد التي استيقظ عليها العراقيون صبيحة يوم الأحد 28 يونيو/حزيران 2026 في المنطقة الخضراء، في قلب بغداد ومدن ومحافظات أخرى، لم تكن كسابقاتها. فهي عملية، بحسب المعلن، استندت إلى أوامر قضائية، والهدف هو متهمون بالسرقة، أو بعض قليل جدا من المتهمين بالسرقة، باللهجة العراقية “الحرامية”.
والغريب الذي لفت نظر الشارع العراقي أن المعتقلين الذين داهمت القوات المكلفة باقتحام منازلهم ليسوا موظفين صغارا، وبالتعبير الدارج الشعبي ليسوا “مكرودين”، وإنما من المسؤولين الكبار، ممن كانوا يصولون ويجولون بين الناس، ويتحدثون بصوت عالٍ على القنوات الإعلامية والتجمعات الجماهيرية بأنهم وطنيون.
هم من وكلاء الوزراء، والبرلمانيين، ورؤساء الكتل البرلمانية، والواجهات العشائرية. داهمت القوات الأمنية منازلهم، واعتقل عدد منهم، فيما لم يكن آخرون في البيت لحظة المداهمة.
لكن ليس هذا هو كل المشهد. فنزول الدبابات والمدرعات والعربات الأمنية بكثرة في المناطق المستهدفة، وغلق شبه كلي للمنطقة الخضراء، هي مشاهد ذكرت بالعمليات التي كانت تنفذها القوات الأمريكية في المناطق السكنية، أو عند وصول المسؤولين الأمريكيين إلى العراق. وربما المشاهد متشابهة، لكن الغاية المعلنة مختلفة.
هذه المرة جاءت العملية في إطار ملاحقة متهمين بالفساد، وهو ما لقي ارتياحا لدى كثير من العراقيين الذين ظلوا يعانون بسبب الفساد وسرقة المال العام، على أمل أن تستمر العملية، وألا تتوقف عندما تصل إلى المتورطين الرئيسيين، ممن استندوا خلال الفترة الماضية إلى الحصانة البرلمانية أو السياسية أو الطائفية، وكان بعضهم في حماية دول أجنبية، إقليمية على وجه الخصوص.
إن العيون العراقية تريد رؤية أعضاء كابينات الحكومات السابقة يسحبون في الليل الحالك إلى الزنازين، كما هم حاكوا، في الليل الحالك، بعيدا عن نور النهار، حياة العائلة العراقية حالكة
لكن ما الذي يجري؟ وكيف بدأ؟
كل الحكومات التي جاءت منذ عام 2005، بعد مغادرة المندوب السامي الأمريكي بول بريمر العراق، كانت تعد بتقديم الخدمات ومحاربة الفساد، لكن الحكومات التي تعاقبت على العراق خلال الفترة الماضية لم تنجح، بحسب منتقديها، في الحد من الفساد، بل اتسعت مظاهره. وكانت الحكومات تتوعد الفاسدين، لكنها تعرضت لاتهامات بحمايتهم، فيما ازداد عدد المتهمين بقضايا الفساد، واتسعت في المقابل رقعة الفقر، حتى إن بعض العراقيين بدأ يتمنى حصول انقلاب، ولم يعد يرى أو يتوقع الحل إلا بمجيء قوة خارجية.
غير أن رئيس الحكومة الجديدة علي فالح الزيدي أظهر وجها آخر للعراقيين، واتخذ خطوات لقيت ترحيبا واسعا، ويعد بالمزيد.. فكيف؟
الرجل الذي ظهر إلى الميدان في مفاجأة لكثيرين، حتى إن العديد من الباحثين والمعنيين بالشأن السياسي لم يتمكنوا من تفسير ما يجري بصورة قاطعة، جاء من خارج المنظومة السياسية التقليدية، ومن خارج الرحم الحزبي، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى الاعتقاد بأنه جاء لتنفيذ مهمة لا يقدر الآخرون عليها، أو أنه يحظى بتوافق مع الولايات المتحدة لتنفيذ أجندة محددة، في ظرف حساس محليا وإقليميا ودوليا.
أي إنه غير مطلوب منه أن يسير بالدولة على النهج التقليدي المعهود، وإنما أن يحدث فارقا، وعناصر القوة التي قد تساعده على ذلك هي التالية:
لا يملك تاريخا في السياسة أو في العمل الحكومي، أي ليس لديه ماض سياسي.
لا يمتلك حزبا سياسيا، ولا يمثل حزبا محددا، فهو غير مثقل بإرث الصراعات الحزبية، ولا يرتبط، بحسب مؤيديه، بمصالح سياسية مباشرة. وهذا يمنحه مساحة أوسع للتحرك بعيدا عن الضغوط الحزبية، سواء من المعارضين أو المؤيدين.
لا يملك كتلة برلمانية، أي إنه أقل خضوعا للمساومات المرتبطة بالمصالح البرلمانية أو بالتهديد بالإقالة أو الاستجواب.
أعلن أنه لن يشكل حزبا، ولا يشارك في الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما قد يخفف من الضغوط السياسية المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
يحظى، بحسب ما يظهر من المؤشرات، بدعم أمريكي، فالبيت الأبيض ينتظر زيارته، والباب مفتوح أمامه، ويرى مؤيدوه أن هذه العمليات تمثل اختبارا لمدى جديته.
هذه هي عناصر القوة لدى الزيدي، بحسب هذا التقدير. أما الآخرون فلم يتمكنوا، خلال السنوات الماضية، من تنفيذ ما وعدوا به، لأسباب تتعلق بتشابك المصالح السياسية والحزبية، فضلا عن أن بعض القوى والشخصيات المتنفذة تواجه اتهامات بالارتباط بملفات فساد، وهو ما يجعل أي عملية إصلاح أكثر تعقيدا.
جاء الكاظمي بدعم شعبي وأمريكي، وكان المطلوب منه، بما أنه جاء من قيادة جهاز المخابرات، وما يمتلك من معلومات وجرأة متوقعة، ووقوف التيار الصدري إلى جانبه، أن يخطو بالبلد نحو الإصلاح، لكنه لم يفعل
لدى كثير منهم ملفات يمكن أن تستخدم للضغط عليهم أو لتهديدهم إذا اقتضت الظروف. وأكثر من ذلك، فإن شريحة من العراقيين تريد رؤية أعضاء كابينات الحكومات السابقة يساقون إلى التحقيق والمحاسبة، كما يرون أنهم كانوا سببا في تعقيد حياة العائلة العراقية خلال السنوات الماضية. وربما لم يكونوا يتوقعون أن يأتي يوم يواجهون فيه المساءلة، بعد أن شعروا بأنهم في مأمن من المحاسبة.
هذه المهمة التي شرع السيد الزيدي في تنفيذها، كانت في نظر كثيرين من المهام التي كان يفترض أن ينهض بها رئيس الحكومة الأسبق مصطفى الكاظمي، في عامي 2019 و2020، بعد أن خرج الشباب العراقيون في تظاهرات حاشدة في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، وقدموا مئات القتلى والجرحى فيما سمي بتظاهرات أكتوبر/تشرين الأول، واستقال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على إثر الأحداث الدامية التي رافقت تلك الاحتجاجات.
جاء الكاظمي بدعم شعبي وأمريكي، وكان المطلوب منه، بما أنه جاء من قيادة جهاز المخابرات، وما كان يعتقد أنه يمتلكه من معلومات، ووقوف التيار الصدري إلى جانبه، أن يخطو بالبلد نحو الإصلاح، لكنه، في نظر منتقديه، لم يستثمر تلك الفرصة، وأهدر فرصة كبيرة. ويبدو الآن أن الزيدي جاء في ظروف مختلفة، وقد بدأ خطواته، ويبقى التحدي الأهم في الاستمرار.




