ترامب غير متحمّس للقاء جديد: فرصة «التخلّص» من نتنياهو سانحة

حسين إبراهيم – الأخبار:
يأتي اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في لحظة صعبة للأخير، وسط تباعد في المصالح وتراجع في الثقة بين الرجلين، فيما يسعى كلّ منهما إلى حماية حساباته الانتخابية وتجنّب كلفة التصعيد مع إيران.
لم يترك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مجالاً للتخمين حول لقائه المرتقب مع رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، إذ ما إن أنهى مكالمته معه قبل أيام، حتى قال إن الأخير هو مَن طلب اللقاء وإنه يعرف مَن هو «المعلّم». وذلك يعني، بلغة العلاقات الشخصية، أن الطالب هو مَن يحتاج إلى المطلوب. فما الخدمة التي يريدها رئيس وزراء العدو هذه المرّة؟ يأتي اللقاء في ظلّ تراجع العلاقة بين الرجلَين، وفي وقت تبدو فيه مصالحهما الانتخابية على تناقض، وليس على التطابق الذي بدت عليه عند انتخابات الرئاسة الأميركية، قبل عامين من الآن، حينما كانت تلبية مطالب نتنياهو المتعلّقة بدعم حروبه المتعدّدة، تخدم مصالح المرشّح ترامب الانتخابية آنذاك. ما هو مختلف الآن، أن تلك الحروب التي ورّطت إسرائيل، أميركا، فيها، ولا سيما منها الحرب الفاشلة على إيران، صارت عبئاً على الرئيس الأميركي، الذي يستعدّ لانتخابات نصفية في الكونغرس، قد تقضي على ما تبقّى من رئاسته إذا ما خسرها حلفاؤه، فضلاً عن طموحاته الأوسع إلى ترك إرث يستمرّ مِن بَعده.
بلغ الأمر الآن درجة أن اللقاء مع ترامب صار، بالنسبة إلى نتنياهو، يشبه المقامرة التي تفوق احتمالات خسارته فيها حظوظ ربحه منها، ولا سيما أن كثراً حول الرئيس الأميركي يحمّلون سوء تقديرات الأخير، مسؤولية المأزق الذي وصلت إليه الحرب مع إيران. فماذا مثلاً لو تعرّض نتنياهو لإهانة من ترامب من النوع الذي حصل خلال الأسابيع الماضية على الهاتف، وفي تصريحات الأخير العلنية؟ المؤشرات على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ربّما صار ضيفاً ثقيلاً على البيت الأبيض، أقلّه في هذه المرحلة، لا تفتأ تتكشّف وتزداد، وعلى يد المضيف نفسه. ولعلّ تفضيل ترامب إرجاء اللقاء إلى ما بعد قمّة حلف «الناتو» المُقرَّرة في أنقرة اليوم وغداً، يمثّل أحد هذه المؤشرات، الذي يُفسَّر بأن واحدة من ما تسبّب به نتنياهو للولايات المتحدة من مشاكل، هي التوتر مع تركيا، التي باتت تقول علناً إنها يمكن أن تكون هدف إسرائيل التالي، بعد إيران.
نتنياهو ليس من النوع الذي ييأس بسهولة
أمّا المؤشّر الأهم فهو أن نتنياهو، بحسب الصحافة الإسرائيلية، يتطلّع إلى إعادة ترتيب العلاقة مع ترامب، والحصول على دعمه في الانتخابات الإسرائيلية المُقرَّرة في تشرين الأول المقبل. لكنّ الأخير، الذي لديه انتخابات بعد أقلّ من شهر على انتخابات ضيفه، لا يبدو في مزاج يسمح له بارتباط اسمَيهما معاً؛ إذ إن ذلك قد يكون وصفة للفشل، خاصة في ظلّ الاستياء الكبير في الولايات المتحدة من واقع أن مصلحة رجل واحد، باتت تكلّف كلّ تلك الأثمان السياسية والاقتصادية في كلّ العالم. وهذا الرجل اليوم يائس ومُحاصَر حتى داخل إسرائيل، حيث انتظر خصومه ثلاث سنوات حتى لاحت إمكانية إسقاطه بفعل فشل الحرب التي نظّر لها ضدّ إيران بهذا الشكل المريع، الذي حفّز حتى أعداء إسرائيل على العودة إلى الانقضاض عليها، بعد التيقّن من أن الهزيمة أمامها وأمام الولايات المتحدة ليست قدَراً محتوماً.
من بين مؤشّرات عدم حماسة ترامب للقاء أيضاً، أن الاجتماع السابق بينهما، الذي عُقد في 11 شباط الماضي، أي قبل أقلّ من 3 أسابيع من الحرب على إيران، كان المحطّة التي أقنع خلالها نتنياهو مضيفه بالمضيّ في الهجوم، متوقّعاً سقوطاً سريعاً للنظام في طهران، رغم التردّد الكبير الذي كان أظهره ترامب، في ظل تحفّظ فريقه للأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، على تلك التقديرات، ونُصحهما الرئيس بعدم الذهاب إلى الحرب. لكن من بين أهمّ علامات التضارب في المصالح الآن، أن التوصّل إلى اتفاق دائم مع إيران قد يُحسِّن فرص «الجمهوريين» في الحفاظ على أغلبيتهم في «الكونغرس»، ولا سيما إذا ما تراجعت أسعار النفط بشكل كبير – مع دخول ملايين جديدة من براميل النفط الإيراني إلى الأسواق يومياً -، في حين أن اتفاقاً مثل هذا، قد يكون وصفة لسقوط نتنياهو، خاصة إذا استطاعت إيران عبره فرض انسحاب إسرائيلي من لبنان.
رغم كلّ ما سلف، فإن نتنياهو ليس من النوع الذي ييأس بسهولة؛ وهو يراهن على أنه يمكنه أن يقنع ترامب بأنه سيفوز مُجدّداً على خصومه في الانتخابات. وهذا قد يحصل فعلاً، الأمر الذي يجعل التعامل مع زعيم حزب «الليكود» أمراً حتمياً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي. وإذا نجح نتنياهو في ذلك، واستطاع تخريب التوصّل إلى اتفاق دائم مع إيران، فلن يكون مُستبعداً أن نكون أمام جولة ثانية من الحرب، بعد تشرين الثاني، حين يتحرّر ترامب من الانتخابات؛ وهو خيار ما من شكّ في أن رئيس وزراء العدو لن يفوّت فرصة لقائه الرئيس الأميركي، لتزيينه له منذ الآن.




