افتتاحية اليوم: العفو العام يسقط بالنصاب

لم يكن سقوط اقتراح قانون العفو العام في مجلس النواب ليل أمس نتيجة خلاف تقني أو إجرائي فحسب، بل جاء تتويجًا لانقسام سياسي وطائفي عميق أعاد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة اللبنانية.
فمع خروج نواب كتلة “الجمهورية القوية” من الجلسة وفقدان النصاب القانوني، سقطت فرصة إقرار القانون، لتتحول القاعة العامة إلى ساحة لتبادل الاتهامات بين الكتل النيابية، وسط اتهامات مباشرة وجّهها عدد من النواب السنّة إلى “القوات اللبنانية” بالتراجع عن التفاهمات السابقة، وعدم الالتزام بالوعود التي قُطعت من قبل الدكتور سمير جعجع بشأن تأمين النصاب والتصويت على المشروع.
ولم يكن مشهد فقدان النصاب مجرد حادثة عابرة، بل حمل دلالات سياسية تتجاوز القانون نفسه، إذ كشف هشاشة التفاهمات التي تسبق الجلسات التشريعية، وأظهر أن الملفات ذات الطابع الوطني ما زالت تخضع لحسابات سياسية دقيقة، تتقدم فيها الاعتبارات الحزبية والطائفية على محاولات الوصول إلى تسويات جامعة.
ويُعدّ قانون العفو العام من أكثر المشاريع إثارةً للجدل منذ سنوات، لأنه يمس ملفات شديدة الحساسية ترتبط بالموقوفين الإسلاميين، وبعض المطلوبين في قضايا أمنية، إضافة إلى ملفات أخرى تختلف بشأنها القوى السياسية. ولذلك بقي هذا القانون رهينة التجاذبات، حيث تنظر إليه كل كتلة من زاوية مختلفة؛ بين من يراه مدخلًا لتحقيق العدالة الاجتماعية وإنهاء معاناة آلاف العائلات، وبين من يخشى أن يتحول إلى غطاء لإسقاط أحكام أو تجاوز حقوق الضحايا.
أما الاتهامات التي وُجّهت إلى “القوات اللبنانية”، فقد فتحت الباب أمام أزمة ثقة جديدة بين عدد من الكتل النيابية، ولا سيما النواب السنّة الذين اعتبروا أن الانسحاب من الجلسة جاء مخالفًا للتفاهمات التي سبقت انعقادها، وأن ما حصل أدى عمليًا إلى إسقاط المشروع قبل التصويت عليه. في المقابل، يرى مؤيدو الانسحاب أن موقفهم ينسجم مع قناعاتهم الرافضة لإقرار قانون لا يحظى بإجماع واسع، وأن مسؤولية تعطيل الجلسة لا يمكن تحميلها لطرف واحد في ظل الانقسام القائم.
وتكشف هذه المواجهة أن ملف العفو العام لم يعد قضية قانونية بحتة، بل أصبح عنوانًا للصراع على التوازنات السياسية والطائفية داخل البرلمان، حيث تتداخل الحسابات الشعبية مع الاعتبارات الأمنية والقضائية، في معادلة تجعل أي تسوية أكثر تعقيدًا.
كما يعكس ما جرى استمرار أزمة الثقة بين القوى السياسية، إذ إن أي تفاهم غير مكتوب بات معرضًا للانهيار عند أول اختبار داخل الهيئة العامة، وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة المجلس على إنجاز ملفات خلافية أخرى في المرحلة المقبلة، سواء تعلقت بالإصلاحات أو بالقوانين المالية أو بالقضايا الوطنية الكبرى.
وبذلك، خرج الجميع من الجلسة بخسائر سياسية متفاوتة؛ فالمؤيدون للعفو خسروا فرصة طال انتظارها، والمعارضون وجدوا أنفسهم في مواجهة اتهامات بالتعطيل، فيما بقي آلاف المعنيين بالقانون وعائلاتهم أسرى التجاذبات النيابية. وهكذا عاد ملف العفو العام إلى المربع الأول، ليؤكد مرةً جديدة أن البرلمان اللبناني لا يزال عاجزًا عن إنتاج التسويات في القضايا الحساسة، وأن النصاب بات، في كثير من الأحيان، أداةً سياسية لا تقل تأثيرًا عن التصويت نفسه.




