ما أغرب المواد التي ما تزال “إسرائيل” تمنع دخولها إلى غزة؟

بعد مرور عام على وقف إطلاق النار، ما يزال الفلسطينيون يواجهون صعوبة في العثور على السلع اليومية، إذ تحول القيود دون توفر السلع الأساسية وغير الأساسية في الأسواق.
لم يتبقَّ سوى “مقعد مرحاض” يفصل ديما عوض عن الانتقال من خيمتها المؤقتة قبل حلول فصل الشتاء. فقد استأجرت هذه الأم الفلسطينية، البالغة من العمر 48 عاماً، مرآباً صغيراً في غرب مدينة غزة ونقلت إليه بالفعل معظم مقتنياتها. لكنها لا تستطيع الانتقال إليه فعلياً لم تعثر على مقعد مرحاض؛ وهو أمر بات الحصول عليه في غزة صعباً للغاية. وتُعد هذه القطعة البسيطة واحدة من مجموعة سلع أساسية تواصل “إسرائيل” منع دخولها إلى القطاع المحاصر.
وتقول ديما، التي تعيش حالياً مع ابنها الوحيد بعد انفصالها عن زوجها الذي سافر لتلقي العلاج إبان حرب الإبادة الجماعية: “لقد دفعت الإيجار قبل نحو 10 أيام، وأنا أبحث منذ أسبوعين تقريباً عن مقعد مرحاض مناسب وبسعر معقول. بالطبع، لا سبيل للعثور على مقعد مرحاض جديد بسعر معقول في الوقت الراهن؛ أما المستعمل منه، فهو غير صالح للاستخدام ومع ذلك يبقى باهظ الثمن”.
نظراً لندرتها، تتراوح تكلفة مقاعد المراحيض في غزة حالياً بين 1500 و2000 شيكل (ما يعادل 486-648 دولاراً). وفي حديثها إلى موقع “ميدل إيست آي”، قالت ديما: “لقد بذلت قصارى جهدي لمغادرة خيمتي حتى لا نبتل بمياه الأمطار كما حدث معنا في العام الماضي. لكن المرآب الذي عثرت عليه يفتقر إلى مرحاض، ولذا يتعين علينا بناء واحد بأنفسنا. أعتبر إيجار المرآب معقولاً مقارنةً بالشقق الأخرى التي حاولتُ استئجارها وكانت تكلفتها باهظة؛ إذ تبلغ تكلفته نحو 600 شيكل (194 دولاراً) شهرياً. لكنني الآن مضطرة لتوفير مرحاض تبلغ تكلفته ضعف قيمة هذا الإيجار”.
قائمة وهمية بالمواد المحظورة
عقب فرض حصارها على قطاع غزة عام 2007، حظرت “إسرائيل” أو قيّدت دخول عدد كبير من المواد، مصنفةً إياها كسلع “مزدوجة الاستخدام” قد تُوظَّف لأغراض عسكرية. وشملت هذه القائمة مواد البناء، ومضخات المياه والصرف الصحي، والمعدات الكهربائية، والمولدات، والمعدات الطبية، والكراسي المتحركة، والعكازات، وغيرها من المستلزمات الضرورية للحياة المدنية الأساسية. وفي العامين الأولين من حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أغلقت “إسرائيل” معابر غزة وقيّدت بشدة دخول السلع التجارية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود وغيرها من الإمدادات الحيوية.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، كان يُفترض بـ”إسرائيل” رفع القيود وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية الدولية إلى قطاع غزة. ومع ذلك، وبعد مرور عام تقريباً، ما تزال هناك قيود واسعة النطاق تشمل الأدوية، ومستلزمات الإيواء، ومواد إعادة الإعمار، وغيرها من السلع الأساسية وغير الأساسية. وما تزال مجموعة من السلع المدنية والإنسانية اليومية تُمنع من الدخول بموجب ما وصفه عمّال الإغاثة بـ”القائمة الوهمية”. ولا تقتصر القيود على السلع ذات الاستخدامات الإنسانية أو المتعلقة بإعادة الإعمار بشكل واضح، بل تمتد لتشمل أغراضاً يومية تبدو عادية، مثل البطاريات والولاعات وألعاب الأطفال.
وفي هذا السياق، يقول عماد السرساوي، وهو فلسطيني يبلغ من العمر 45 عاماً نزح من حي الشجاعية: “لدي ولاعة يستعيرها سكان المخيم بأكمله كلما احتاجوا لإشعال النار من أجل الطهي. اليوم، يُعتبر كل من يملك ولاعةً شخصاً ثرياً؛ إذ يصل سعر الولاعة الواحدة إلى 90 شيكلاً (أي 29 دولاراً). وحتى إن كنت تملك المال، فلن تجدها بسهولة في الأسواق لأن دخولها ممنوع منذ أشهر”.
اختفاء السلع من الأسواق
وأكّد الأب لـ5 أطفال أن عدداً متزايداً من السلع يختفي تدريجياً من أسواق غزة، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية محاطة بضبابية المجهول وحالة مستمرة من عدم اليقين. ويقول السرساوي: “في اليوم الأول تجد السلعة، وفي اليوم التالي تصبح محظورة وتختفي لفترة لا يعلم مداها إلا الله؛ بل إن بعض الأصناف لم يُسمح بدخولها منذ سنوات. فعلى سبيل المثال، لم أشترِ أي ألعاب لأطفالي منذ بدء الإبادة الجماعية. فقبل اتفاق وقف إطلاق النار، كانوا يبكون ويطلبون الألعاب، وكنتُ أوبخهم لعدم إدراكهم للوضع وطلبهم أشياء غير متوفرة”. كنت أقول لهم إنني سأشتريها لهم بمجرد انتهاء الحرب”.
إلا أنه حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، واصلت “إسرائيل” منع دخول الألعاب إلى قطاع غزة. واليوم، تبيع متاجر الألعاب ما تبقى لديها من مخزون يعود لما قبل الحرب بأسعار باهظة. ويضيف السرساوي: “لا يمكنني شراء كرة مطاطية صغيرة لهم بمبلغ 100 شيكل (32 دولاراً)؛ فهذا المبلغ يكفي لإطعام الأسرة بأكملها لمدة يومين. وقد يقول الناس خارج غزة إننا نفتقر إلى الاحتياجات الأساسية ومع ذلك نركز على هذه الأمور الثانوية، لكن الحقيقة هي أننا نُترك بلا أساسيات ولا كماليات”. ولا تزال الآلية التي تحكم هذه القيود غامضة.
لم تنشر “إسرائيل” قائمة شاملة ومُحدَّثة بالسلع ذات الاستخدام المزدوج منذ عام 2017، في حين أُضيفت مئات الأصناف إلى قائمة القيود من دون الإعلان عنها. وعلى أرض الواقع، اضطرت منظمات الإغاثة والتجار إلى التعامل مع نظام قد تُرفض فيه البضائع إما لأنها تقع خارج نطاق التصنيف الإنساني أو لأنها تُصنَّف على أنها “مزدوجة الاستخدام”.
“تحوّل أبسط الأمور إلى معاناة”
حتى المستلزمات اليومية البسيطة، التي عادةً ما نعتبرها أموراً مُسلّماً بتوفرها، باتت صعبة المنال. فقد اضطرت الصحافية الفلسطينية، بيداء عثمان، للتنقل بين محافظتين للعثور على مشبك شعر، وانتهى بها المطاف بدفع نحو 10 أضعاف سعره الأصلي. وصرحت بيداء لموقع “ميدل إيست آي” بأن “الأمر لم يعد يقتصر على القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية فحسب؛ بل وصل الوضع إلى حد أنك تضطر لبذل جهود مضنية وشاقة للعثور على غرض بسيط للغاية. وبات العثور حتى على أبسط الأشياء، كمشبك الشعر، أمراً صعباً. فإلى جانب فقدان الاحتياجات الأساسية في غزة، أصبحت المستلزمات اليومية العادية، التي لم يكن أحد يكترث لأمرها أو يفكر فيها مرتين في الظروف الطبيعية، غير متوفرة أيضاً”.
وفي مقطع فيديو نشرته على منصة “إنستغرام”، سلطت سجود حسن – وهي اختصاصية علاج طبيعي فلسطينية من غزة – الضوء على كيفية انعكاس القيود المفروضة على مشابك الشعر فقداناً أوسع للخيارات اليومية التي تواجهها النساء في القطاع. وقالت الشابة: “لا أحد ينهار لمجرد فقدان مشبك شعر، لكن الشعور بأن حياتك ليست بيدك قد يُنهك قواك”. وبالنسبة إلى بيداء، التي تنحدر أصلاً من مدينة غزة وتعيش حالياً نازحة في دير البلح في وسط القطاع بعد تدمير منزلها، فإن الحاجة إلى غرض بسيط كهذا لا تنفصل عن واقع النزوح اليومي. وفي هذا الإطار، تقول: “إلى جانب النزوح وكل المصاعب التي نواجهها، بما في ذلك الاضطرار للطهي باستخدام الحطب، فمن الطبيعي أن ترغب النساء في رفع شعرهن لإبعاده عن وجوههن وأعناقهن في ظل الحرارة؛ لذا لم يعد هذا الأمر مجرد حاجة ثانوية”. لقد كلفها مشبك الشعر، الذي كان يبلغ سعره في السابق نحو 4 شيكل (1.3 دولار)- مبلغ 45 شيكلاً (14.5 دولاراً). “يدرك الاحتلال الإسرائيلي تماماً ما يفعله. فهذه التصرفات ليست عشوائية؛ بل سياسة تهدف إلى تحويل حتى أبسط الأمور إلى معاناة بالنسبة إلى سكان غزة”.
المصدر: موقع “ميدل إيست آي




