رأي

لقد غادرنا العراق.. لكننا لم نستوعب دروسه

ماكس بوت – صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية:

الغزو كان خطأً كارثياً ترتبت عليه كلفة هائلة، من دون أي مكسب استراتيجي ملموس.

كنتُ من مؤيّدي الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مقتنعاً بأنه سيقود إلى مزيد من التحوّل الديمقراطي في الشرق الأوسط. ونحن جميعاً نعرف كيف انتهى ذلك.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد لدي الكثير من اليقين بشأن العالم عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً. ولست متأكداً حتى من كيفية النظر إلى انسحاب آخر القوات الأميركية من العراق الأسبوع الماضي، وعددها 1500 عسكري، من أصل أكثر من 1.5 مليون خدموا هناك خلال انتشار استمر أكثر من 23 عاماً. وبدلاً من الأحكام السريعة، ما لدي هو ذكريات ومخاوف وشكوك.

كنت أزور العراق بانتظام بين عامي 2003 و2011، للتحليل وإعداد التقارير، وأحياناً لتقديم المشورة إلى القادة الأميركيين. وكانت تجربة مثيرة ومؤثرة في تكويني، كشفت لي كيف تنهار الحقائق المرتبة للعقائد السياسية عندما تصطدم بالواقع على الأرض.

خلال زيارتي الأولى، في آب/أغسطس 2003، رافقت وحدة استطلاع تابعة لمشاة البحرية في مهمة في ساعات الصباح الباكر. وفي الطريق، تعرّض موكبنا الصغير لهجوم بعبوة ناسفة بدائية. ولحسن الحظ، لم يُصب أحد. توقّف أفراد مشاة البحرية وقفزوا من مركباتهم وحاولوا العثور على من فجّر القنبلة.

عادوا إلى المركبة المدرعة الخفيفة التي كنت أستقلها، ومعهم شاب عراقي يرتدي بدلة رياضية، وكانت يداه مقيّدتين برباط بلاستيكي. كانوا يعتقدون أنه المسؤول، لكن لم يكن أحد قادراً على التواصل معه، لأنّ أفراد مشاة البحرية لم يكن لديهم مترجم. وكان النقص في الأفراد شديداً إلى درجة أنّ رقيباً، في إحدى اللحظات، وضع المحتجز في مؤخرة المركبة معي، وسلّمني مسدساً، وطلب مني مراقبته بينما ذهبوا للقيام بأمر آخر.

كشفت لي تلك التجربة مدى النقص في عدد قوات الاحتلال الأميركية، ومدى ضآلة فهم الأميركيين لما كان يحدث في بلد وجدوا أنفسهم فجأة يديرونه. لم نكن حتى قادرين على التواصل مع سكانه في تلك الأيام التي سبقت الاستعانة بالمترجمين لسدّ فجوة اللغة. وكان ذلك أول مؤشر بالنسبة إليّ على أنّ الغزو لا يسير وفق الخطة.

وخلال السنوات الثلاث التالية، كنت أرى الوضع يزداد سوءاً قليلاً مع كل زيارة: مزيد من التفجيرات، ومزيد من الفوضى، ومزيد من الضحايا. وكان بإمكاني تتبّع تصاعد التهديد الأمني من خلال المركبات التي كنت أتنقّل فيها. بدأت بعربات “هامفي” غير مدرعة ذات أسقف قماشية، وانتهيت داخل مركبات “MRAP” ضخمة شديدة التدريع ومقاومة للألغام والكمائن. وفي إحدى المرات في الموصل، أصابت عبوة ناسفة عربة “هامفي” كانت أمام مركبتي، ثم تعرّض الموكب الذي كنت ضمنه لإطلاق نار من أسلحة آلية.

كنت دائماً معجباً بالقوات الأميركية التي التقيتها، لكنني أصبحت أكثر تشككاً في التفاؤل الحماسي الذي كان قادتها يعرضونه دائماً. أتذكّر أنني كنت أتلقّى إحاطات من قادة ألوية أو كتائب يخبرونني فيها أنّ الوحدة السابقة في “منطقة عملياتهم” (AO) كانت قد أخفقت فعلاً، لكنهم نجحوا في جعل جميع المؤشرات تسير في اتجاه إيجابي، كما كانت تظهر شرائح “باوربوينت” لا تنتهي.

ثم كنت أعود بعد بضع سنوات إلى القاعدة نفسها وأتلقّى الإحاطة نفسها من وحدة جديدة وصلت للتو. كنت، وما زلت، أكنّ أكبر قدر من الاحترام للجيش الأميركي، لكنني تعلّمت ألا أثق كثيراً بقناعة الضباط بأنهم يحققون مهمتهم، لأنهم إذا أقرّوا بالفشل فسيكونون هم من يُلام عليه.

كما بدأت أرى أنّ الانتشار العسكري الأميركي تحوّل إلى ما يسميه الجنود “مخروط آيس كريم يلعق نفسه”؛ أي منظومة يصبح استمرارها غاية بحدّ ذاته. وأتذكّر رقيباً مخضرماً في مشاة البحرية قال لي داخل منشأة طعام عسكرية ضخمة: “كل ما يفعله معظم هؤلاء الرجال هنا هو تحويل الطعام إلى براز”. فقد أصبح مجرد الحفاظ على البنية اللوجستية العسكرية الأميركية الهائلة والدفاع عنها، في نواحٍ كثيرة، المهمة الأساسية للجيش.

لكن حتى مع تزايد خيبة أملي من الحرب التي كنت قد دعمتها بحماقة، بقيت قلقاً من كلفة الانسحاب المبكر. وكنت أخشى أن يؤدي ذلك فقط إلى تسريع الحرب الأهلية الدموية التي أطلقها غزونا. لذلك، أيّدت “زيادة القوات” عام 2007، التي أرسلت 30 ألف جندي إضافي إلى العراق.

وبعد بضع سنوات، عارضت قرار الرئيس باراك أوباما سحب القوات الأميركية عام 2011. وللأسف، ثبتت صحة هذا القلق عندما ملأ تنظيم “داعش” الفراغ الناتج من الانسحاب. وأدى تمدّد التنظيم عبر سوريا والعراق إلى ضرورة عودة نحو 3 آلاف جندي أميركي عام 2014، ولكن هذه المرة ليس بوصفهم قوات احتلال، بل بوصفهم داعمين للقوات الأمنية المحلية.

وقد أُنجزت هذه المهمة الآن إلى حدّ كبير، لكنّ القوات الأميركية، على قلتها، كانت لا تزال تشكّل ثقلاً مقابلاً صغيراً للنفوذ الإيراني. وكان من المفترض أن يترافق خروج القوات الأميركية مع نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران، لكنّ ذلك، بطبيعة الحال، لم يحدث.

هل كان يستحق الأمر الإبقاء على قوة أميركية رمزية في العراق؟ لست متأكّداً بالفعل. لكن ما أنا متأكّد منه هو أنّ الغزو كان خطأ كارثياً ترتّبت عليه كلفة هائلة: 1.8 تريليون دولار من الإنفاق، ومقتل 4418 أميركياً، ومئات الآلاف من العراقيين، من دون أيّ مكسب استراتيجي ملموس.

صحيح أنّ الأوضاع في العراق اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه قبل عقد؛ فالبلاد تنعم بالهدوء في معظمها، والاقتصاد يتعافى. لكنّ النتيجة الأكثر ديمومة للصراع كانت، تماماً كما تنبأ معارضوه، ترسيخ النفوذ الإيراني في العراق.

وقد علّمتني التجربة برمّتها أن أكون أكثر حذراً تجاه قدرة أميركا على إعادة تشكيل دول أجنبية، وأكثر تشكّكاً في حروب الاختيار. ولا يؤدي الصراع الجاري مع إيران إلا إلى تعزيز هذه الدروس.

أصبحت مدركاً لحدود القوة الأميركية، وآمل أن يكون قادتنا قد تعلّموا الدروس نفسها، لكن حين أقرأ الأخبار عن إرسال الرئيس دونالد ترامب حاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط، أخشى أنهم لم يفعلوا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى